كيــف انهــار نظــام ما بعــد الحــرب البــاردة ؟!

يزيل انسحاب القوات الأوكرانية من دبالتسيف عقبة رئيسة من أمام مساعي التنفيذ الكامل لاتفاق مينسك الذي تم توقيعه مؤخرا. وبرغم ذلك، لهذا التطور معنى مختلف أيضا؛ حيث لم يكن الجانب الأوكراني، بل خصومه، الذين يعملون على تفكيك الدولة الأوكرانية الحالية، هم من حددوا متى سوف ينتهي القتال. ويعد هذا الأمر رمزيا للغاية، ليس فقط فيما يتعلق بالصراع الأوكراني. لقد دخل العالم مرحلة غريبة أصبحت فيها افتراضات العصور التاريخية الأخيرة محل تساؤل. ويشمل هذا فكرة الدولة ذات السيادة، وهو المفهوم الذي أنتجه عصر التنوير الأوروبي وعملية تشكيل الدول الأوروبية بعد توقيع سلام ويستفاليا، الذي تمثل بسلسلة من معاهدات السلام الموقعة في عام 1648، والتي أنهت عددا من الحروب الأوروبية. وليست الخصومة المريرة في أوكرانيا سوى أحد مظاهر تهاوي النظام العالمي. والدولة الإسلامية هي المثال الآخر الأكثر إثارة للانتباه هنا. إنها لا تتحدى النظام القائم في الشرق الأوسط من خلال محو الحدود فقط؛ بل وتستعرض أيضا مستوى عاليا من القسوة الوحشية، وتخيف معارضيها من خلال الإعدامات العلنية المروعة. وبشكل عام، تعود روح القرون الوسطى لتسود بحروبها الضروس، وباستراتيجيتها الكبيرة التي تغمس العاطفة بالدم. هناك رغبة بجعل العدو يدفع الثمن مئة ضعف، حتى لو كان هذا العدو هو جار أو صديق الأمس؛ وكثيرا ما تختلط هذه الرغبة بالتعصب الديني أو القومية العمياء. وقبل ما يزيد قليلًا على 20 عامًا، اقترح عالم السياسة الأمريكي، صامويل هنتنغتون، أن صراع الحضارات سيتبع حتمًا نهاية الحرب الباردة. وحينها، رفض الكثيرون هذا التحذير القاتم وسط النشوة التي سادت في الغرب. وعلى الرغم من أن نظريته كانت مبسطة بطريقة مفرطة إلى حد ما، إلا أنها لم تستسلم لوهم أن البشرية قد حسمت كل التحديات الأساسية مع انهيار الشيوعية. وقبل قرون، حصل “المسيحيون الجيدون” على متعة كبيرة من خلال حرق الناس علنا وهم على قيد الحياة، أو ذبح مدن بأكملها من أجل القضاء على أعدائهم، كما تفعل الدولة الإسلامية الآن. الصراعات التي يدفعها مبدأ “العين بالعين” لم تتوقف خلال أية مدة تاريخية تقريبا، بغض الطرف عن أي “حضارة” كانت هي المتورطة بها. ما تم فقط هو أنه، ومع مرور الوقت، خلق التقدم الاجتماعي والسياسي القواعد التي حظرت ممارسة هذه الأفعال الوحشية التي ارتكبها الأجداد. ولماذا إذًا كان هنتنغتون، والمتشائمون الآخرون من تسعينيات القرن الماضي، على صواب ؟ ألم يكن من المفترض بعد كل شيء، أن يكون انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة السوفيتية قد أدى إلى إزالة الحواجز أمام توسيع نطاق التفكير الإنساني والاجتماعي الأكثر تقدما، وهو منتج عصر التنوير الأوروبي، ليصبح متاحا للعالم كله ؟. هذا هو المكان الذي نشأ فيه الخلاف الرئيس الذي أدى إلى الوضع الراهن. في محاولة لتسريع التاريخ، بدأت القوى الرائدة في العالم، والتي وجدت على وجه الحصر في الغرب في أواخر القرن الـ 20، بمراجعة المبادئ الرئيسة التي تم بناء العلاقات الدولية على أساسها على مدى الـ 400 سنة السابقة. وكانت إحدى نتائج هذه المراجعات هي الوصول إلى مبدأ حرمة سيادة الدولة والدول القومية، الذي شكل أساس النظام العالمي الجديد. لقد كان لإعادة تعريف الموقف تجاه السيادة الوطنية هذا أكبر الأثر على الأحداث العالمية منذ تسعينيات القرن الماضي. وقد تطور الفهم الكلاسيكي لمبدأ السيادة من خلال مزيج من العوامل. ومن بين أكثر هذه العوامل موضوعية، عامل عولمة الاقتصاد والمعلومات عبر الحدود الوطنية. بينما تشمل العوامل الذاتية، إدماج المبادئ الإنسانية في السعي إلى تحقيق أهداف سياسية، وثانيا، نجاح التكامل الأوروبي. وكانت نتيجة هذه “الأنسنة” صدور مفهوم “مسؤولية الحماية” الذي اعتمد على مستوى الأمم المتحدة بوصفه ضرورة معنوية حتمية، بدلًا من كونه ضرورة قانونية. وللمرة الأولى، نشأت إمكانية التدخل العسكري في شؤون دول أخرى ذات سيادة لأسباب أخلاقية. وقد أشار المراقبون مرارا إلى إخفاقات هذا المبدأ؛ نظرا لعدم وجود معايير محددة بوضوح للتدخل، وحتى استحالة تحديد هذه المعايير. ومع ذلك، وبغض الطرف عن النتيجة، فقد انتهى الأمر بمبدأ السيادة إلى أن يصبح موضع تساؤل. وأما بالنسبة للتكامل الأوروبي، فقد بدا هذا المشروع ناجحا في بداية هذا القرن وأثار رغبة لدى دول أخرى بمحاولة فعل الشيء نفسه. الاتحاد الأوروبي ليس مثالًا لهيكل يطلب من الدول الأعضاء فيه التخلي عن سيادتها، ولكنه عملية جادة تنص على التنازل عن بعض الامتيازات في مقابل الحصول على المزيد من الفرص. ووفقًا للمثالية الأوروبية، لا تختفي الحدود الوطنية بل تذوب تدريجيا في المجتمع الأكبر. هذه الحدود لا تزال موجودة، ولكنها تحمل أهمية ثانوية فقط، والجميع يدرك أن الظروف الفريدة جعلت هذا النموذج ممكنًا في أوروبا. ومع ذلك، وبشكل غير متوقع، أدت حقيقة تحول أوروبا إلى تجسيد لما بعد الحداثة السياسية إلى عودة أماكن أخرى في العالم إلى ما قبل الحداثة. لم تنتقل البشرية إلى الأمام، بل في اتجاه بعض الظروف غير المعروفة، وإلى الخلف أيضا في اتجاه واقع ما قبل ويستفاليا، عندما كانت الانتماءات القبلية والدينية هي ما يحدد العلاقات، وليس المواطنة في هذه الدولة القومية أو تلك. وبعد محاولة قصيرة وفاشلة لبناء عالم ما بعد الحداثة، تركزت الجهود على بناء عالم الحداثة، وانتهى بنا الأمر الآن إلى العودة لشيء يذكرنا بالعصور الوسطى. وأبرز الأمثلة على هذا هي توزع الحصص في أوكرانيا، وجنون المتعصبين في الدولة الإسلامية. وضمن الوتيرة الحالية للأحداث، سوف تسير نسخة العصر الحديث من حرب الثلاثين عاما بسرعة أكبر بكثير من سابقتها التاريخية، ولكنها ستحتفظ بجانب من جوانب الصراع متعدد المستويات الذي ما يلبث أن يموت حتى يعود ليشتعل مرة أخرى. وما يسمى بـ “الحرب الهجينة” التي يتحدث عنها المراقبون هذه الأيام، ليست في الواقع سوى ردة إلى زمن ما قبل ظهور الدول القومية. وتماما كما كان الحال من قبل، يفسر التنوع الواسع للهويات الجغرافية، والدينية، والقبلية، والمحلية، غرابة الوسائل المستخدمة، وطبيعة الأهداف المتغيرة باستمرار. ومن الواضح أن هذه ليست المحطة النهائية بعد. التاريخ لن ينتهي هنا. قد ينتهي الأمر بالتوحد متجددا في ظل الدولة بوصفها السبيل الوحيد لحماية الناس من التهديدات العابرة للحدود. أو على العكس، قد تفشل الدولة في إثبات حقها في استخدام العنف وتمثيل مصالح المواطنين الذين سوف يسارعون لطلب الحماية من خلال أشكال جديدة من التنظيم الذاتي. وهذا الشكل الجديد من أشكال تقرير المصير سيؤدي إلى ما تنبأ به هنتنغتون. وفي أي حال، سوف يتم تذكر عصر ما بعد الحرب الباردة على أنه مثال على ذلك التناقض الصارخ بين النوايا والتوقعات من جهة، ومحاولة ترجمة هذه النوايا إلى واقع ملموس من جهة أخرى.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.