معركة جرود عرسال: تحديات وخيارات

عرسال

تعد بلدة عرسال وجرودها حالياً من أكثر المناطق اللبنانية التي تحتضن الجماعات التكفيرية، وقد ساهمت الإنتصارات التي حققها حزب الله قلمونياً في فرار هذه الجماعات إلى البلدة البقاعية وجرودها. ولم يكن الحضور التكفيري في عرسال نتيجة للقلمون أو القصير فحسب، بل احتضنت هذه البلدة منذ بداية الأحداث السورية إضافةً إلى مخيمات اللاجئين العديد من الجماعات المسلحة وكانت معبراً آمناً لجميع التكفيريين الذين انطلقوا من جرودها إلى سوريا مطلع العام ٢٠١٢.

الوضع في عرسال حالياً ازداد سخونة بعد لجوء جبهة النصرة إلى جرودها إضافة إلى الأعداد المتواجدة داخل المخيمات والبلدة، وقد طرح الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير قضية تحرير جرود عرسال من الجماعات التكفيرية بكل صراحة ووضوح، قائلاً: “وزير الداخلية وتياره المستقبل يقول إن بلدة عرسال محتلة لذلك فلتعمل الدولة اللبنانية على تحرير بلدتها المحتلة، لا تتهربوا من مناقشة موضوع عرسال في مجلس الوزراء وتحملوا المسؤوليات”.

يبدو واضحاً أن بلدة عرسال أو حتى جرودها تختلف عن باقي مناطق البقاع نظراً إلى التركيبة الطائفية هناك، وهو الأمر الذي ساهم بشكل كبير في نمو الجماعات التكفيرية التي لجأت إلى هناك، وما فتئت أن تحوّلت هذه الجماعات مع قلّة قليلة من أبناء البلدة أصحاب السجل الإجرامي لدى الدولة اللبنانية إلى أصحاب القرار في عرسال وجرودها.

إنفجار من الداخل!

“إنفجار من الداخل” واقع يلخّص حال عرسال اليوم في ظل تواجد الجماعات التكفيرية داخل البلدة وجرودها، فهناك أقلية يديرها “داعش” و”النصرة” وأخواتهما بدأت تأسر النازحين وعرسال معاً. داعش سمح لنفسه بإصدار أحكام شرعية على بعضهم بالجَلد أو التصفية (الإعدام) أو السجن، على الطريقة التي يمارسها في سوريا والعراق، حتى غدا العرساليون لا يجرؤون حتى على التعبير عن آرائهم، خوفاً من العقاب.

لم يعلم العرساليون أن استضافتهم الإنسانية ستمنعهم من الذهاب إلى كساراتهم  في جرود البلدة، كما أنهم لم يدركوا أن التنظيم الإرهابي سيشكّل محكمة شرعية تتخذ أحكام الإعدام والتصفية والملاحقة بتهمة العمالة للجيش اللبناني في بلدة لم تغدُ متصلة بلبنان سوى بحدودها الجغرافية.

الخطوة الأخيرة المتمثلة بدخول الجيش اللبناني إلى عرسال نزلت برداً وسلاماً على أبناء البلدة الذين يسعون للعيش بأمن وسلام والعودة إلى دفء الحضن اللبناني، وباتوا قادرين حالياً على التعبير عن آرائهم وفق القانون اللبناني لا الداعشي أو النصروي في أغلب أحياء البلدة. والخطوة المقبلة التي يريدها أبناء البلدة هي استباب الأمن بشكل كامل من قبل الجيش اللبناني والعودة إلى أعمالهم ومشاغلهم الإقتصادية كبقية أشقائهم في الوطن، ولكن العقبة الأساسية التي تقف بوجههم هي “الجماعات المسلحة في الجرود”، فما هي التحديات والخيارات المتاحة في عملية إنقاذ عرسال وأهلها؟

التحديات والخيارات

هناك العديد من التحديات في وجه ما يتطلع إليه أهل عرسال حالياً أي الأمن والإقتصاد، أبرزها:

أولاً: تبدو هذه البلدة اللبنانية وحيدة وضعيفة ككبش فداء ومتروكة في أقاصي الجرد اللبناني- السوري، اذ يريد البعض أن تبقى عرسال قنبلة موقوتة بجانب البلدات البقاعية المجاورة ضمن مشروعهم الإقليمي مع اعترافهم المسبق بان البلدة محتلة من قبل الجماعات التكفيرية.

ثانياً: تحكّم بعض المطلوبين للعدالة من أبناء البلدة بقرارها، نظراً لعلاقاتهم مع بعض التيارات السياسية اللبنانية الوازنة من ناحية والجماعات المسلحة من ناحية أخرى.

ثالثاً: لا يقدم الجيش اللبناني على الهجوم على مواقع هؤلاء المسلحين في عرسال وجرودها لانه لا يملك القدرة الكافية على ذلك كما ان حركة ١٤ أذار تمنع حزب الله من الدخول في معركة مباشرة مع الجماعات المسلحة في عرسال وجرودها عبر بعض أصواتها الطائفية.

رابعاً: تغلغل الجماعات التكفيرية في العديد من انحاء البلدة ومخيمات اللاجئين، حيث تتحدث المصادر الأمنية عن وجود العديد من الخلايا النائمة خصوصاً في المخيمات.

رغم صعوبة التحديات الحالية إلا أن قساوة الإرهاب الداعشي والنصروي فتحت الباب على العديد من الخيارات التي تصب في صالح أهل عرسال أولاً وأخيراً. وجميع الخيارات تتلخص في المواجهة الحقيقية مع الجماعات المسلحة تحت معادلة الجيش والشعب والمقاومة. الجيش اللبناني دخل حالياً إلى البلدة والمقاومة توجّهت على لسان السيد نصرالله إلى أهالي عرسال بالقول “نحن جاهزون إلى الوقوف معكم ولكن على الدولة اللبنانية أن تتحمل مسؤوليتها، وبحال لم تفعل فإن أهلنا في البقاع وفي بعلبك – الهرمل لن يقبلوا ببقاء إرهابي واحد في أي جرد من جرود عرسال أو البقاع”، كما أن العديد من أهالي عرسال أعلنوا ضرورة طرد الجماعات التكفيرية من جرود البلدة للعودة إلى أعمالهم.

لا نريد لعرسال أن تعاقب على خطيئة البعض من أبنائها الذين مالوا مع رياح الجماعات التكفيرية، او تُحرق بسبب تقاعس فريق ١٤ آذار في مقاربة الملف من زاوية المصلحة الوطنية لأسباب داخلية وخارجية واهية ومجحفة في آن واحد بحق أهل عرسال.

ختاماً، تشير الوقائع الميدانية إلى أن خلاص أهل عرسال يكمن حالياً في معادلة الإنتصار “الجيش والشعب والمقاومة”، لكن السيادة تقول إنه لا يحق لـ١٤ أذار ولا حتى لأهل عرسال أنفسهم، منع الجيش اللبناني والمقاومة من مواجهة الجماعات المسلحة في جرود البلدة اللبنانية، لأن تهديد هذه الجماعات لا ينحصر ببلدة هنا أو هناك وإنما يتعداه إلى كافة القرى البقاعية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.