الإصلاح .. وإختلاق المستحيل

لم يكن مطلب الإصلاح الذي نادت به الجماهير العراقية , وحظي بتأييد المرجعية الدينية الحكيمة , وتلقته الكثير من الدول بالتثمين , وأقرت بحقانتيه الطبقة السياسية الحاكمة , تفصيلاً ومجملاً .. لم يكن هذا المطلب أمراً مستحيلاً .. وليس هناك من مانع عقلي في أن تستبدل الشعوب أنظمتها غير المناسبة بأخرى مناسبة . أو أن تغيّر انساق حياتها من حالة معقدة وعقيمة إلى أخرى ميسرة ومثمرة .. ولنا في التجارب علم مستأنف.

وإذا ما اجمع أبناء المجتمع العراقي على أن المحاصصة السياسية هي السبب المباشر لكل الإخفاقات والأزمات التي طالت جميع مناحي حياتهم , وهي المقوم والباعث الأساس لحالات الانحراف عن الجادة السويّة واستشراء الفساد المالي والإداري والسياسي , ما أفقد المواطنة معناها , وعلاقات أبناء البلد الواحد طعمها , فلماذا يشترط بعض الساسة , ربط عملية الاصلاح بالاحتكام إلى المقدمات الخاطئة ؟.. ما يعني الإصرار على تكريس الخطأ , وكأنه قدر في حياتنا .. في حين أن الحكمة والمنطق يقضيان بإزالة أسباب المرض , و أن يصار إلى اعتماد خيار آخر أسوة بشعوب المعمورة متعددة القوميات والأديان والطوائف , حينما تقوّم حياتها ببناء سياسي عادل واستظلال بدستور ضامن لحقوق الجميع .. دونما معطل .

إن هذا البعض الذي يقرن موافقته على الإصلاح بــ (لكن) ….! هو ذات الطرف الذي دعا إلى المحاصصة المقيتة في بداية مرحلة ما بعد سقوط الدكتاتورية السوداء .. حينما قال .. نعم للديموقراطية كبديل موضوعي للدكتاتورية (رحمها الله تعالى) و(لكن) …! معللاً ذلك بأن هناك خشية من أن يظلم الشيعة بغالبيتهم الأقلية السنية .. ! أو أن يظلم العرب بكثرتهم شركاءهم الأكراد ..!

إنه منطق فج أعوج .. ولخطورة آثاره السلبية لم تعمل أي من الشعوب بموجبه عند بنائها لمعادلاتها السياسية , ما خلا الشعب اللبناني المسكين .. الذي طبخت معادلته السياسية في بعض الكهوف العربية الملحقة بالأمن القومي للدول الغربية , لغاية في نفس يعقوب .

وهذه لبنان إلى اليوم تشكو من الفراغ الرئاسي وسلبيات الثلث المعطل .. والمشاكل الجمة التي يعانيها الشعب اللبناني ذات الشبه الكبير بما نعانيه نحن العراقيون , لأن أسباب المرض التحاصصي واحدة ..!

ومع أن المنطق السياسي العربي السائد يتيح أن ينقلب الشيعة على البعث ويحكموا على طريقة الحكام العرب الذين وصلوا إلى السلطة .. بالاستعانة بالخارج .. أو عن طريق الوراثة الطابو مدى الحياة .. أو أن ينقلب الابن على أبيه , أو أن يخضع البلد لسلطة الحزب الواحد والقائد الأوحد .. فلماذا يستكثر على الشيعة مجرد التفكير بذلك … فما حدا مما بدا ؟

ومع ذلك فأن الغالبية الشيعية قد طوت عن كل ما سلف بحقها كشحا , وقالت أن زمن الحرية يجب ما قبله .. ومدت الأيدي للآخرين و ليس وراءها ما يدفع الآخرين إلى الخشية والتوجس.

وبناء على كل ما حصل فلا ينبغي التهاون أبداً أمام محاولات إفراغ الإصلاح المنشود من محتواه , في الاحتكام إلى المواطَن الملغمة في الدستور , ولا إلى التوافقات المشبوهة, وإرساء دعائم الديموقراطية , بل إدامة زخم الاصرار الجماهيري على اعادة بناء العملية السياسية من جديد وتنقيح الدستور مما علق فيه من غث وذلك يستلزم وجود حكومة جديدة كفوءة ونزيهة ,عصية على الالتفاف والاحتواء .

ناصر جبار سلمان

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.