الخدمة الإلزامية والإرادة غير النزيهة

لقد عودنا ساسة البلاد الذين تصدروا مشهدنا السياسي على نهجهم في إرضاء الآخرين دولاً وامتدادات وذيولا , بصفة شركاء في العملية السياسية , لم يأت هذا النهج عن مزيد حلم ولا عن سعة صدر , وإنما هي لعبة تخادم المصالح غير الشريفة , وكأن المجموعة أعضاء في مجلس إدارة شركة مساهمة , همهم الوحيد ما يدخل جيوبهم من ربح , وعلى أساس التراضي والتوافق تكون التوسعة والبناء وإن كان فائضاً عن الحاجة , وكذا يكون الهدم .. فكم هي المناصب العليا والوزارات والهيآت التي استحدثت ارضاء لجشع هذا الطرف أو ذاك مع إن وجودها من عدمه سواء ؟

وكم من القوانين والقرارات التي عُطلت لكي تمر قافلة الفساد والنهب والسلب بسلام .. وفي هذا السياق كان تمييع مطلب الخدمة الإلزامية هضماً صريحاً لحق الوطن على أبنائه , وإهمالاً لمقوم أساس من مقومات عزة ومنعة البلد , لعذر أقبح من الفعل , هو أن من مصلحة أميركا وإسرائيل أن لا يمتلك عراق ما بعد صدام جيشاً قوياً قادراً على الهجوم …. !

وللتورية والإيهام , قيل كي لا يستطيع مهاجمة جيرانه وإقلاق أمنهم .

فكان البديل مؤسسة عسكرية وأمنية ذات امتدادات هلامية , حملت كل عيوب القوى السياسية المشاركة , وتناقضاتها , ومشاكساتها , وفسادها فكان شرط الانتساب إليها الوساطة والمحسوبية والمنسوبية والحزبية والرشوة , وأمسى ضررها أكثر من نفعها , وكانت سوراً هشاً أمام الاختراق وبوابة للمآسي والدماء والهزائم , وهل هناك من لا يدرك أهمية إقرار قانون الخدمة الإلزامية في البلد مع إنها لا تحمله التكاليف والأعباء التي تحملها على يد المؤسسة العسكرية والأمنية القائمة , وأقل ما توصف به أنها الأكثر فساداً من بين مؤسسات البلد الفاسدة الأخرى .

لا يخفى أثر تلك الخدمة على الوحدة الوطنية للبلد فهي ترجمة عملية لانتماء الفرد لوطنه , وتجسيد ميداني للتعايش ما بين أبناء البلد الواحد , وتوفير البيئة المناسبة لصهر كل الولاءات الفرعية في بوتقة المصير المشترك , والهم المشترك , والموقف المشترك في وجه الأخطار التي تهدد الجميع , كما أنها عملية إعداد وطني أصيل لجموع الشباب لكي يكونوا عاملين فاعلين في مؤسسات الدولة بعد التسريح من الخدمة , مضافاً لما يتحقق من فائدة امتصاص طوابير الشباب العاطلين عن العمل وحمايتهم من مخاطر التسكع , ومن تأثيرات الغزو الثقافي الأجنبي الذي يقض مضاجعهم ويعرضهم إلى الإصابة بأمراض الانحراف الفكري والأخلاقي التي انتشرت فيروساتها في كل منتدى وبيت .

سترشد معسكرات التدريب الكبيرة والضخمة عمل وزارتي الدفاع والداخلية , ما يلزمهما بإحياء وتفعيل الانضباط والالتزام المعهودين , وسيسري ذلك بالضرورة على كل مفاصلهما وامتداداتهما , وسيقلص إلى حد كبير من البطالة المقنعة , وسيمكّن من القضاء على ما يسمى بـ ـ الفضائيين فستخرج مواقع العمل من حيز المناطقية , إلى فضاء الوطن , من شماله إلى جنوبه , وستحدد الأوامر العليا مكان عمل المنتسب حسب مقتضيات مصلحة الوطن كل الوطن , ما نعتقده أن الحل يكمن في إقرار قانون الخدمة الإلزامية الذي لا تنكر فوائده للمواطن والوطن معاً , وليس في مشروع حرس وطني , مثير للجدل والشكوك , وبلحاظ تلك الضغوط الدولية والإقليمية والمحلية المشبوهة باتجاه إقراره …….!

ولقد وجهّنا إمام الحق والعدل علي (سلام الله عليه) بحكمته :

” دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ”

ناصر جبار سلمان

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.