قصر النظر الكوردستاني.. !

ليس من السهل الإنتقال من ثـقـافـة الإستبداد إلى ثـقافة التعددية، إذ يمثل مثل هذا الإنتقال؛ تحديــاً صعبا وكبيرا؛ للمجتمعات التي فتحت عيونها على الإستبداد ورضعت حليبه.
الخطوة الأولى لعملية الإنتقال المنشود؛ تتمثل بتحديد الهدف النهائي، الذي يجب أن تصل اليه تلك المجتمعات، وهذا
يجعلها في حاجة أكثر فأكثر، لتحديد المسكوت عنه والحديث هنه بجرأة، بحوارات حقيقية جادة وشفافة، حتى وإن كانـت تلك الحوارات في بداياتها جدلاً بيزنطياً..!
ليس الهدف النهائي كما يتخيل كثير منا، هو بقاء العراق بشكله الجغرافي الراهن من عدمه، بل أن الذي ينشده العراقيون بلهفة، هو أن يوفر لهم شكل العراق القادم، إمكانية ان يعيشوا بسلام ووئام، فيما بينهم أولا، ومع جيرانهم ثاتيا، ويستحضر دورهم الحضاري في خدمة الإنسانية ثالثا.
في سبيل تحقيق هذا الهدف المركب، يتعين أن تسفر العملية السياسية، عما ينفع الكتلة البشرية، التي تشغل الحيز الجغرافي ـ السياسي الحالي للعراق، وليس عما ينفع الإسلاميين أو العلمانيين او حتى البوذيين! المهم أن الهدف في هذا السياق؛ هو أن نرسخ في وعـيـنـا؛ فضاءاً تـعـدديـاً كافياً، يشكل صمام الأمان لنا جميعا.
لأنه لا يمكن للساسة القفز على واقعنا، بأحلام طوباوية غير واضحة، أو بإنتهاج سياسات التغالب، أو السعي لفرض واقع حال قسرا، يتعين أن نؤمن بأننا شعب من مكونات، وهذا ليس عيبا فينا، ولا يمكننا تجاوزه، نعم يمكننا تعايشه، كما كنا قبل حقبة الآلام والآثام، التي إمتدت أكثر من ثمانين عاما، بضمنها أربعون عاما تحت سلطة القهر البعثية.
في هذا الصدد؛ فإنه مثلما لا يمكن للشيعة والسنة والتركمان، وباقي المكونات تجاوز هذا الوصف، فأنه لا يمكن للكورد وقادتهم أن يتجاوزوه أيضا.
إن الوضع العراقي الراهن، نتاج دم ملأ أودية كوردستان في زمن صدام، وهو إفراز لما وافقه بعضنا، على مقابره الجماعية لأهل الوسط والجنوب، وأستمر بعد سقوطه يمزقنا بمتفجرات اليد الإرهابية، التي لم يدَن إثمها بشكل حاسم واضح، من شركاء الوطن من السنة.
إن تاريخا مشتركا من الألم والعذاب، يفترض أن يكون عاملا قويا، في بناء مستقبل قائم؛ على مفاهيم الحرية والعدالة والعيش المشترك، وأول من يجب أن يفكر بهذا الإتجاه هم الكورد أنفسهم.
كلام قبل السلام: مرارة في الحلق؛ أن الكورد الذين قاسوا ما قاسوا، يعملون اليوم على فرض وضع على العراق، هم قبل غيرهم؛ يعرفون أنهم لن يستطيعوا السير فيه الى آخره، ولكن قصر نظر المصالح يعمي عن نظر العاقبة، وما اقترفوه في طوزخورماتو، قصر نظر قريب من العمى…!
سلام…

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.