معركة أمن بغداد صفحة جديدة من المواجهة

تدور الخطط الأمنية للعاصمة بغداد في حلقة مفرغة, ويكاد نفس المشهد يتكرر, في كل مرة يحدث فيها هجوم إرهابي, يستهدف أحياء وشوارع المدينة، اذ نسمع سيلاً من التبريرات الواهية, والاتهامات المتبادلة بين أطراف العملية الأمنية, ثم تبدأ الانتقادات الإعلامية, والتحليلات التي عادة ما تطالب, باعتماد أساليب جديدة في مواجهة التهديدات الإرهابية, وتفعيل الجهد الاستخباري, والاستفادة من معطيات ما بعد التفجيرات, وجمع الأدلة الجنائية وتحليلها, للوصول الى الجهات المنفذة وفهم طبيعتها, حتى تتكون لدى الأجهزة المختصة, قاعدة بيانات تستطيع من خلالها التنبؤ بالأعمال الإرهابية, وكذلك تنفيذ عمليات استباقية ضد الخلايا النائمة، لإجهاض مخططاتها, ثم تمر بضعة أيام على الحادث فينسى وتتلاشى الحملة الاعلامية وهكذا دواليك.
هذا مجمل ما نسمعه بعد كل عملية إرهابية, تستهدف إحدى مناطق بغداد، وهو كلام معاد بعدد مرات الاستهداف, وبالنتيجة لم نشهد معالجة جدية, أو محاسبة مسؤول، حتى أصبح الكلام في هذا الموضوع, كمن ينفخ في قربة مثقوبة، فما العمل لمواجهة هذا التحدي, الذي وصلت أعداد ضحاياه الى أرقام مخيفة، وكيف نتعامل معه، ان كان على المستوى الحكومي, أو المستوى المتمثل بفصائل المقاومة والحشد الشعبي، وهل نبقى مكتوفي الأيدي, ننظر الى هذا العبث بأمننا, دون ان نحرك ساكنا, وكأننا نستسلم لأقدارنا, ونسلم بعدم قدرتنا على هزيمة قوى الارهاب العالمي, التي تشن علينا حرب وجود.
قد يكون الأمر معقداً ومتشابكاً وصعباً, ولكنه ليس مستحيلاً, فالعراقيون الذين هزموا عصابات داعش, والتنظيمات الإرهابية المرتبطة بها, في ساحات المواجهة العسكرية المباشرة, قادرون على هزيمتها في معركة أمن العاصمة بغداد, وأمن العراق بجميع محافظاته, ولعل صعوبة الأمر تتعلق بمدى تشابك الإرهاب, مع الأطراف الداخلية والخارجية, التي تستخدمه لتنفيذ أجنداتها المعروفة, والتي تعمل على إبقاء العراق يعيش حالة التهديد وعدم الاستقرار, وهذه المعركة تتطلب جهداً استخبارياً واسعاً, تقوده عناصر وطنية مقاومة مضحية, تمتلك الخبرة والمعلومة, كما تمتلك الشجاعة والاندفاع.
ونحن ندرك جيداً, ان هذه الأطراف تتخذ من المشاركة في العملية السياسية, وسيلة لحماية النشاطات الإرهابية, وتوفير الغطاء الرسمي لها, ومن المؤكد ان هناك شخصيات وأحزاب متنفذة, لها يد في هذا الدعم, ولكن لا توجد إرادة جدية لكشفها, خشية ما يعقب ذلك من أزمات, لأننا جربنا كيف ان كشف علاقة, نائب رئيس الجمهورية السابق طارق الهاشمي, مع الإرهاب ادخل العراق في أزمة سياسية كبيرة, وكذلك ما جرى مع العيساوي والعلواني, ولهذا نقول ان مواجهة النشاطات الإرهابية في العاصمة, متشابك ومعقد, وان كثيرا من التحقيقات في الحوادث السابقة, لابد أنها قد وصلت الى خيوط مهمة, إلا انها منعت من الإعلان وظلت حبيسة الأدراج.
إذن نحن أمام معادلة لابد من اجتياز خياراتها, فأمن المواطن أولوية, لا تعادلها جميع الأولويات السياسية والمصالح الوقتية, وإذا لم تتمكن الأجهزة الأمنية الحكومية, من التخلص من عقدة التأثير السياسي, فإنها لن تكون قادرة على مواجهة هذا التحدي الإرهابي الخطير, ويصبح لزاماً على أبناء العراق الغيارى, أصحاب الخبرة والباع الطويل, ان يمسكوا المبادرة في قيادة معركة الأمن, لأنها استمرار للمعركة العسكرية, كما أنها ضرورة للحفاظ على المنجزات, التي تحققت بدماء الشهداء, والتي بدأت بوادر التآمر عليها لتقويضها, من خلال إعادة نشاط الجماعات الإرهابية في بغداد وحزامها ومحيطها الهش.

محمد محي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.