تركيا والمتاجرة بتركمان العراق

نينوى محافظة عراقية تضرب في أعماق التاريخ، تشكلت فيها حضارات قديمة متنوعة, منحتها شخصية متميزة, انعكست بشكل واضح, على طبيعة تركيبتها السكانية, وخصائص سكانها ولهجتها, التي تختلف كثيراً عن باقي المحافظات العراقية، وقد أضاف لها موقعها الجغرافي بعداً آخر, جعلها تتحول الى بوتقة, جمعت فسيفساء اجتماعية متنوعة، وهذا الموقع الجغرافي الفريد ومكانتها التاريخية والحضارية, منحها القدرة على استقطاب موجات بشرية, للاستيطان فيها وفي المناطق المحيطة بها، كما هو حال المدن والعواصم, في مراحل صعودها وازدياد بريقها، فاستقطبت العرب والتركمان والشبك والأكراد, الى جانب المسيحيين والايزيديين وباقي الأقليات الأخرى، فتشكلت فيها أقضية ونواحٍ متنوعة لكل قومية ومذهب ودين، ومنها قضاء تلعفر, الذي يعد أكبر قضاء عراقي, والذي يضم التركمان من السنة والشيعة ، وعندما حصلت مؤامرة الموصل, كان أهالي هذا القضاء الشيعة منهم على وجه الخصوص، أول من تعرّض الى التهجير القسري على أسس طائفية.
وعلى الرغم من المأساة الكبيرة التي مرت على التركمان، إلا ان تركيا التي لا تبعد عنهم سوى مسافة قصيرة, لم تحرك ساكناً، ولم نسمع حينها ما يوحي باهتمامهم بهذه المجموعة البشرية, ولم يتكلم اردوغان عن حق تركيا في حمايتهم، فقد تعرضوا الى أبشع الجرائم, على يد عصابات داعش، ولعل ما جرى لأكثر من سبعمئة امرأة وفتاة تركمانية, من سبي واغتصاب وقتل جماعي, بعد حجزهن في سجن بادوش، كاف لوحده لتحريك جيوش من يدعي الاهتمام بهم، ولكننا لم نشهد موقفاً تركياً تبنى قضيتهم، بل تركوهم يواجهون مصيرهم المجهول، أما ما جرى على تركمان طوزخورماتو وتازة وبشير، من استهداف على ايدي عصابات داعش, ومن الأكراد في آن واحد ، فقد واجهته تركيا بآذان صماء, حتى لا تصطدم بحليفها الكردي.
ولم يقف الى جانب التركمان طيلة سنوات المحنة, إلا اخوانهم الشيعة, فقد تم استيعاب المهجرين من الموصل واقضيتها, في مدن الوسط والجنوب، اضافة الى تحرّك فصائل المقاومة والحشد الشعبي, لحماية طوزخورماتو, وفك الحصار عن امرلي, اللتين كادتا تتعرضان للإبادة الجماعية، ومازال الاكراد يتحينون الفرص للانقضاض عليهم, لولا خشيتهم من فصائل المقاومة والحشد الشعبي, التي شكلت عامل ردع لهم.
قبل أيام صرّح اردوغان, بان تركيا ستطلق عملية عسكرية, شبيهة بما يسمى بدرع الفرات, التي أطلقتها في سوريا، لمحاربة داعش في الموصل، لان تركيا كما يدعي رئيسها, تملك الحق التاريخي في حماية التركمان، والجميع يعلم انه يتخذ من هذه الذريعة مبرراً للتدخل في العراق, واحتلال مساحات من أراضيه، مستغلاً ضعف الحكومة العراقية, وتواطؤ بعض القوى المحلية العربية السنية والكردية، فماذا يعني هذا الإصرار التركي في التواجد على الأرض العراقية, وماذا يعني صمت أمريكا على ذلك, غير ان هناك تحضيرات لمواجهة فصائل المقاومة والحشد الشعبي, التي ستكون حاضرة في محور تحرير تلعفر التركمانية، وهذا سيشكل اختباراً حاسماً لمدى قدرة الحكومة العراقية, على إثبات وجودها وإرادتها, في مواجهة الجموح التركي العدواني.
التركمان كما هو ثابت تاريخياً ليسوا أتراكاً, ولهذا يتخذهم اردوغان بضاعة يتاجر بهم، وقد تكون بعض أطراف الجبهة التركمانية, ربطت نفسها بتركيا, لكونها لا تمثل ثقلاً يعتد به في الوسط التركماني, إلا أن الواقع يؤكد ان التركمان اليوم, باتوا جزءاً من منظومة الحشد الشعبي, وامتلكوا القدرة على الدفاع عن أنفسهم, بعيداً عن المتاجرين بوجودهم وانتمائهم العراقي.

محمد محي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.