معركة الموصل وإسرائيل وعش الدبابير

وأخيرا بدأت معركة تحرير الموصل, كما لم يتوقع ذلك الكثير ممن توهم في حساباته, ويكفي الوصول الى مرحلة الوقوف على تخوم الموصل, للدلالة على تنامي القدرات العسكرية العراقية, في مواجهة أخطر أنواع الحروب وأعقدها, المتمثلة بحروب العصابات والحروب غير التقليدية, مع مجاميع إرهابية, تحمل أفكاراً وأساليب, هي الأكثر إجرامية وفتكاً في التاريخ، وهذا يعني ان القوة العسكرية العراقية، باتت تشكل رقماً مرعباً, في معادلة القوة الرادعة, في منطقة الشرق الأوسط، وازدادت خبرتها بشكل لم تتوقعه أمريكا, التي عملت على بناء جيش عراقي ضعيف, غير قادر على الصمود أمام أي هجوم، كما حصل إبان أحداث الموصل منتصف عام 2014.
ولا يُخفى ان مخطط تدمير دول المنطقة وتفكيكها, يبدأ بتفكيك جيوشها وإضعافها, حتى لا تقوى على الدفاع عن سيادتها وحدودها, وقد عملت أمريكا على تنفيذ هذا المخطط, خدمة لمشروع الشرق الأوسط الجديد, الذي يصب في مصلحة الكيان الإسرائيلي وأمنه, ولكي يبقى صاحب الكلمة العليا في المنطقة, يفرض إرادته بقوته العسكرية, وصولا إلى إنشاء دولته الحلم من الفرات الى النيل، ولعل أكبر جيشين عملت أمريكا وإسرائيل على تفكيكهما, هما الجيشان العراقي والسوري، وقد وظفوا لذلك عشرات التنظيمات التكفيرية والمرتزقة, من مختلف دول العالم لتحارب بالنيابة عنها، وصرفوا مليارات الدولارات على تسليحها وتمويلها، فهل نجحوا في تفكيك الجيشين العراقي والسوري حقاً ؟.
يقول كبير معلّقي الشؤون الأمنيّة, في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية, يوسي ميلمان, أنّ الجيوش العربية انتهت, وحزب الله اللبنانيّ يُشكّل اليوم التهديد العسكريّ الأكبر لـ “إسرائيل”، بعد ان تحوّل الى جيش حقيقي، وهذا الكلام دقيق جداً, ولكن الحقيقة المرّة الأخرى, التي يدركها الإسرائيلي، كما يدركها الأمريكي، ان تسليط عصابات داعش والقاعدة وغيرها, على العراق وسوريا, قد أعطتهما خبرة قتالية عالية جداً, وقدرة على المواجهة مع أقسى ظروف القتال, ما يجعلهما قادرين على تشكيل تهديد جدي للكيان الاسرائيلي، كما ان نموذج حزب الله الذي يرعب الصهاينة, تكاثر في العراق وسوريا, حتى أينعت منه عشرات التشكيلات, التي تشاركه نفس العقيدة الجهادية، فصارت رقماً كبيراً, يضاف الى قائمة الرعب التي تؤرق أمريكا وكيانها الإسرائيلي.
وإذ لم تعد الجيوش التقليدية اليوم, قادرة على مواجهة حروب الأجيال الجديدة, وأصبح لزاماً عليها تطوير إمكاناتها على ذلك, فان الجيشين العراقي والسوري, مع فصائل المقاومة الإسلامية الساندة لها, تمكنت خلال السنوات الماضية, من اكتساب الخبرات الكافية، وها هي القوات الأمنية العراقية على أبواب الموصل, تضع بإمكاناتها الذاتية نهاية لقصة داعش, وبالتالي ستكون عنصراً رئيساً, في أي معركة قادمة مع الكيان الإسرائيلي, وهذا ما يشكل مأزقاً أوقعت نفسها فيه, قوى الشر والاستكبار العالمي وأدواتها الإقليمية والمحلية.
إنها ورطة الدب الذي استسهل مد يده في عش الدبابير ليطردها, حتى يتناول العسل على راحته، فتحوّل حلمه الى كابوس مرعب أفقده حياته.

محي محمد

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.