ما بعد داعش أم ما قبل غيرها

لا يختلف اثنان, على فشل مشروع ما يسمى جزافاً بدولة الخلافة الاسلامية، بعد ان وصلت القوات العراقية الى عاصمتها الموصل, ولعل من أسباب فشل هذا المشروع، انه وبكل بساطة مشروع وهمي, لا يمت للإسلام بصلة، فهو يتبنى المذهب الوهابي التكفيري المتطرف, الذي نما وترعرع, في أحضان بني سعود والمخابرات البريطانية, ومن بعدها الأمريكية، حتى صارت أهم أدواتها, في تدمير الإسلام والمسلمين، وقد نجحت هذه الدوائر نجاحاً كبيراً, في توظيف هذا الفكر المنحرف, لاختلاق الفتن الطائفية, وإدخال الدول العربية والإسلامية, في أتون حروب مدمرة، فلا يمكن ان تدعم أمريكا أو بريطانيا, مشروع دولة خلافة اسلامية حقيقية.
ومن أسباب فشل مشروع داعش, ومن أدلة كونه مشروعاً وهمياً, هو عدم قدرتها على اقناع حواضنه السنية بهذا المشروع, وعدم قدرتها على التصالح معها, على الرغم من انها كانت سبباً في تمكينها ودعمها، وهذا ما نلمسه من تخلي أهل السنة عنها, بمجرد تقدم القوات العراقية نحو تحرير مدنهم، وإلا لو كان المشروع حقيقيا, لتصالح مع محيطه المحلي والإقليمي وحتى الدولي, بخطاب اسلامي مقبول، يعطيه صبغة قانونية شرعية, يجعل المواطن المنتمي له يستقتل للدفاع عنه, سيما وانه مشروع دولة إسلامية, يكون المدافع عنها شهيداً في سبيل الله.
نستطيع القول وبكل ثقة, ان داعش قد انتهت ونحن اليوم على اعتاب مرحلة ما بعدها، وهذه المرحلة تشبه الى حد ما, ظروف نهاية عصر القاعدة وأفول نجمها، قبل ان تحمل من سفاح آخر, لتنتج داعش والنصرة, وعشرات التنظيمات التي تقاتل في العراق وسوريا، وما يدور اليوم عن ما يسمى بالمصالحة الوطنية والتسوية التاريخية, هي محاولة كما يبدو لمنع الحواضن السنية, من انتاج نسخة جديدة من هذه التنظيمات، بذريعة التهميش والاقصاء، وبذريعة عدم التوازن في حكم العراق بين الطوائف الرئيسة، وهيمنة الشيعة على مقدرات الدولة، وقد يكون اعادة بناء التحالف الوطني كممثل للشيعة, أحد أركان هذه التسوية التاريخية، كما ان المؤتمرات السنية التي رعتها قطر وتركيا والسعودية, كانت لبلورة الجهة السنية, المخولة بالتوقيع على هذه التسوية، أما الأكراد فهم في حال يرثى لها من التمزق, ما يتطلب اعادة بناء التحالف الكردستاني, كممثل عن المكون الكردي، والذي سيشكل ثالثة الأثافي التي تحمل القدر العراقي, الذي سيطبخ صفقة المصالحة والتسوية التاريخية.
وقد تكون اشكالية عدم الوثوق بالضمانات, للالتزام بالتسوية التاريخية, هي أهم العقبات أمام تنفيذها، مما يجعلنا نفقد الثقة والأمل في نجاحها، لأننا اذا استطعنا ان نقنع السني, بقبول العيش مع أخيه الشيعي, وأقنعنا الكردي بالتخلي عن طموحه الانفصالي, مقابل ما يوفره له محيطه العراقي من عناصر قوة, سيفتقدها في حال الانفصال، فكيف نقنع الامريكي بالتخلي عن مشروع بايدن سيئ الصيت, وكيف نقنع التركي الطامع في أراضينا وثرواتنا، وكيف نقنع السعودي بالتوقف عن تصدير الفكر الوهابي التدميري, الى العراق والكف عن معاداة الشيعة.
التنازل بين أبناء الشعب العراقي لا يعد تنازلاً, اذا حفظ وحدتهم وألفتهم, ولكنه سيكون عبثاً لا طائل منه, اذا كان مقدمة للابتزاز والمساومة, ووضع سقوف عالية إذا لم تتحقق, تنسف المصالحة الوطنية, ونجبر على التهيؤ لما بعد داعش, بنسخة جديدة نفتح بها عهداً دموياً آخر.

محمد محي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.