ماذا بعد عاصفة ترامب ؟

هل هدأت عاصفة الانتخابات الأمريكية, واستوعب العالم مفاجأتها المدوية، أم مازال الوقت مبكراً لتقييم ما جرى, في أغرب انتخابات شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية، وهل استقر الزلزال الذي أحدثه فوز ترامب المثير للجدل, أم أن هزاته الارتدادية ستكون أشد وقعاً على أمريكا والعالم، تساؤلات أثيرت على مستويات واسعة في العالم، ومخاوف يمكن متابعتها من خلال ردود أفعال الدول, التي تعد ضمن حلفاء أمريكا, قبل أعدائها, الذين لا تنفك بسهولة عرى علاقتهم بها، كالاتحاد الأوروبي الذي كان أول المعبرين عن قلقه، وكذلك ألمانيا التي عبّرت عن خشيتها, من تداعيات انتخاب ترامب غير المتزن، وهكذا تفاوتت المواقف بشكل يدل, على أن ثمة أمراً ما, قد استجد في السياسة الأمريكية، وان نتائج هذه الانتخابات ليست كسابقاتها، وان عدداً كبيراً من مراكز الأبحاث والدراسات واستطلاع الرأي, قد وضعت نفسها بموقف لا تحسد عليه, فقد كانت مجمعة على فشل ترامب في الفوز، فأي معطيات قد تغيرت في الواقع الأمريكي, لم تستطع هذه المراكز العتيدة من رصدها والتنبؤ بمتغيراتها ؟.
من المؤكد ان ما جرى, يدل على ان أمريكا تتجه نحو تغيّرات مجتمعية وسياسية, حتى مع تراجع حدة الخطاب المتطرف للرئيس المنتخب, وتنازله عن كثير من متبنياته, التي أثارت عليه ردود الأفعال السلبية, وقللت حظوظه بالفوز, لدى مراكز الدراسات, الأمريكية منها خصوصاً, التي يبدو أنها قد ارتكبت خطأ فادحاً, في فهم هذه التغيّرات، مما يعني ان هذه المراكز, المرتبطة بالضرورة بالمؤسسة السياسية التقليدية، إما أنها لم تفهم ما يجري, أو أنها لا تريد ان تفهم، فالموضوع يتعلق بأصل النظام السياسي الأمريكي, الذي هيمن عليه الحزبان الرئيسان, وبات الآن مهدداً بصعود قوى جديدة, تتناغم مع المجتمع الأمريكي وتطلعاته, وكذلك تتعامل مع المتغيرات العالمية بنفس جديد.
وقد يكون من السابق لأوانه, القول ان تغيّراً كبيراً سيحصل في المنظومة الإستراتيجية, للسياسة الأمريكية وثوابتها المعروفة، ولكن ليس بعيداً أن ما جرى, هو حدث مفصلي ستترتب عليه تبعات كبيرة, إن لم تحصل قريبا, فإنها بلا شك ستحصل في المدى المتوسط، وأمريكا حالها حال الامبراطوريات العظمى، لها دورة حياة تبدأ وتنتهي، وكما ارتقت وصعدت لأسباب ومقومات, فإنها لا بد ان تتجه نحو الأفول لأسباب أخرى، وقد تنبأ الكثير من مفكري أمريكا والعالم بهذا المصير، المؤرخ الأمريكي بول كينيدي اصدر عام 1987 كتاباً, عن صعود وسقوط القوى الكبرى, وبناء على دراسته لعوامل انحسار القوى العظمى في أوروبا, واستخلاصه من ذلك ان الانتشار المفرط لإمبراطورية ما خارج حدودها, مع إنفاقها الزائد على قواها العسكرية, للاحتفاظ بهذا الانتشار, بمعدل يفوق إنفاقها على الجوانب الداخلية, يؤدي الى تفاقم الحالة الاقتصادية, ثم الى انحسار القوة العظمى واضمحلالها, وقد تنبًأ كينيدي في دراسته هذه, بأن هذا ما سيحدث للولايات المتحدة، والتي سينحسر دورها كقوة عظمى.
لقد كان شعار ترامب الانتخابي (اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى), يستشرف هذا المصير ويؤكد هذه النبوءة, بل وينطلق منها, لان ترامب يريد لأمريكا أن تنكفئ على نفسها, وتحدد من انتشارها الخارجي, حتى تعود عظيمة مرة أخرى, وهذا يعد استشعاراً مبكراً لانهيار الولايات المتحدة, يتطلب عملاً حاسماً لمنعه, ويبدو أن ترامب قد نجح في فهم دراسة المؤرخ كينيدي, ووضع برنامجه الانتخابي على أساسها, وحقق انتصاراً كبيراً, بعد ان أثار عاصفة لم تهدأ بعد.
والسؤال الذي ينبغي على مراكز الأبحاث التقليدية الإجابة عنه, حتى تكفّر عن خطيئتها في فهم ما جرى, هو ماذا بعد عاصفة ترامب ؟.

محمد حمد

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.