الاندبيندنت تنتصر للأربعينية من الشرق الأوسط

يقول أمير المؤمنين عليه السلام, ان المرء مخبوء تحت طي لسانه, وليس تحت طيلسانه, والفرق واضح بين المعنيين, فعادة ما تصدر من الانسان مواقف مبنية على ردود أفعال, قد تكون مفهومة, ويمكن تفسير أسبابها, وبعضها الآخر لا يمكن تفسيره, كون أسبابها غائرة في اللاشعور, وما يخرج في فلتات اللسان, قد يدل كما يؤكد ذلك علماء النفس والتربية, على طبيعة الشخصية, وتاريخها وعقدها وأمراضها, ومنها يستدل عادة على فهمها, ولهذا كان الكلام كاشفاً عن المرء, ومستواه وعقيدته وأفكاره, وليس في ملبسه ومظهره, كما وصف ذلك أمير المؤمنين عليه السلام, والشعور بالنقص والصغار, أحد هذه الأمراض النفسية, التي يترتب عليها عادة مواقف, وترتكب بدوافعها الجرائم, ويمارس بها التسلط والظلم والجور, ومهما حاول المرء إخفاء هذا الشعور, فانه سيفشل لا محالة لان لسانه يفضحه.
لقد تعودنا على مواقف السعودية العدائية ضد الشيعة, والتي أغلقت فيها جميع الأبواب, أمام أي إمكانية لتجاوز هذا العداء بالحوار والتواصل, كما يحصل في علاقاتها مع جميع الأديان والقوميات في العالم, فالسعودية لا ترى ضيراً, في إقامة علاقات صداقة, مع المسيحي واليهودي والبوذي والسيخي والملحد, ولكنها لا تقبل التعايش السلمي مع الشيعة, وتحرّض عليهم ليل نهار, وتصدر الفتاوى بوجوب قتالهم, واستباحة دمائهم وأعراضهم, وتقود الحروب المباشرة وغير المباشرة للقضاء عليهم, وكل ذلك لأسباب تاريخية, لا تستطيع السعودية ومذهبها الشاذ, اخفاءها وتجاوزها والتخلص من عقدها.
والإساءة التي تعمّدت نشرها صحيفة الشرق الأوسط السعودية, هي جزء من اسقاطات نفسية, تدل على هزيمة داخلية, للوهابية التكفيرية أمام الشيعة, وهي ترى عنفوانهم يبرز في أشكال متعددة, ففي الجانب العسكري أصبحوا يشكلون قوة مرعبة, وفي الجانب العقائدي, مازال المذهب الشيعي يؤرقهم, ويعدونه خطراً داهماً, ويحذرون من اختراقه لمجتمعاتهم, ولعل الشعائر الحسينية هي المظهر الأشد رعباً للوهابية, بعد ان أصبحت تظاهرة مليونية عالمية, تحضرها مختلف الجنسيات, لمعايشة تجربة فريدة لا مثيل لها في العالم, ولذلك لا نستغرب هذه الهجمة الشرسة عليها, من قبل الوهابية وأدواتها.
وبالمقابل نشرت صحيفة الاندبندنت البريطانية, مقالاً عن الزيارة الاربعينية, قالت انها تستحق ان تدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية, كونها أكبر تجمع بشري في الكون, وأكبر مائدة اطعام مجاني في التاريخ, وفيها أكبر عدد من المتطوعين في العالم, وختم كاتب المقال بان ما يجري في هذا التجمع, يعكس الاخلاق العالية, والتسامح ونكران الذات, والذوبان في نصرة المظلوم, وهذا هو الدين الذي جاء به النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم), ومن خالفهم وحاربهم كما يقول الكاتب, هم انصار منظمة داعش الإرهابية.
وشتان بين هذه الصحيفة البريطانية, وتلك السعودية التي تنضح حقداً لم تستطع اخفاءه, وخسة يتورع عنها حتى أشد الناس انحطاطاً, متوهمة انها قادرة على الإساءة, لهذه المناسبة العالمية العظيمة, التي أثارت حتى غير المسلمين, ودفعتهم للمشاركة فيها ومعايشتها, والاطلاع على حجم الكرم العراقي فيها, والسخاء المنبثق من عشقهم لإمامهم الحسين عليه السلام, واستعدادهم للتضحية والبذل والعطاء, اعلاء لمبادئه التي استشهد من أجلها.
وعلى قول الشاعر اذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود… أو حقود.

محمد محي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.