ظاهرة الاقتتال العشائري

ليس خافيا أنَّ سقوطَ النظام الديكتاتوري فِي العراق، كان إيذاناً بإحلالِ النِظَام الدِيمُقْراطِيّ الَّذِي يرتكز عَلَى مَبادِئِ العَدْلِ والْمُساواةِ فِي الحُقوقِ وَالوَاجبات، وَإقامة الدَّوْلَة المَدَنيَة الَّتِي لا يخضع أي فرد فيها لانتهاكِ حُقُوقه مِنْ قبلِ فردٍ آخر أو طرف آخر. وَلأنَّها دَّوْلَة مُؤَسَّسَات، فَمِنْ غير الجائز أَنْ تكونَ فضاءاتَها عرضةً لانتعاشِ التَجَاوُزات أو الرغبة بالإِفْرَاطِ فِي تَخَطي القَانُون، وَالَّذِي يُعَد الفيصل وَالحكم ما بَيْنَ الناس، فضلاً عَنْ توفيرِه الحِمَايَةِ لجميعِ أفرادِ المُجْتَمَع بغض النظر عَنْ انْتِماءاتِهم. إذ أنَّ هناك دَوماً سُّلطة عليا هي سُّلطة الدَّوْلَة، وَالَّتِي يلجأ إليها الأفراد عندما يتم انتهاك حُقُوقهم أو تهدد بالانتهاك.
فِي ظلِ النِظَام الدِيمُقْراطِيّ ببلادِنا، وَالَّذِي يفترض أَنْ يَتَمَتَّعَ فِي جَوِّهِ كُلُف مُواطِنٍ بِحُقُوقِ الْمُواطَنَةِ كامِلَةً، مَا تَزال سيادة القَانُون تنتهك عَلَى مرأى ومسمع مِنْ الأجهزةِ الحُكُومية، فَرصيفُ الشَارع أصبح مباحاً لِمَنْ يحاول مِنْ المُواطِنين اِسْتِغلاله وَتشكيل مرتسمه حيثما يشاء، إذ يمكن أَنْ يصبحَ محلاً تجارياً أو مطعماً شعبياً أو حماماً للأسرةِ أو فرناً للصمون، ورُبَّما يتحول إلى ورشةٍ لتصليحِ المدافئ النفطية أو مضخات الماء أو الدراجات الهوائية. وَأَدْهَى مِنْ ذلك أنَّ هَذِهِ المظاهرِ اليوميةِ تجري بالتوازي مَعَ عجِزِ الحُكُومةِ عَنْ لجمِ فوضى النزاعات العشائريّة المسلّحة فِي وقتٍ تواجه فِيه البلاد إِرْهَاباً شرساً تموله أطراف دُوَليَّة وإقليمية وَبمباركةٍ ومُسَاهَمَة مِنْ بعض الجهاتِ المَحَلّية.
لا مغالاةً فِي القولِ إنَّ ظاهِرةَ الاقتتال العشائري أصبحت مِنْ جملةِ العوامل المهدّدة للسَلْمِ الأهلي بفعلِ ظهور بعض حالات التصادم مَعَ القواتِ الأمنية وَشيوعِ ظاهِرةِ الولاءات العشائريّة لمنتسبي الأجهزة الأمنية فِي هَذِهِ النزاعاتِ الدموية الَّتِي تستخدم فِيها مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة وَالمتوسطة وَبعض أنواع القاذفات، بالإضافةِ إلى مَا وفره هَذَا الواقع مِنْ بيْئَةٍ ملائمةٍ لاحتماءِ عناصر الجريمة بنفوذِ عشائرها مِنْ سُّلطةِ القَانُون. وَيَبْدُو أنَّ مساحةَ الحُرِّيَّة الممنوحة لمُجْتَمَعِنا بعد سنوات الاستلابِ والامتهانِ والإذلال، جرى تفسيرها مِنْ قبلِ بعضِ المُواطَنين – الَّذين يعانون قصوراً بفهمِ طبيعةِ النِظَام الدِيمُقْراطِيّ – بما أفضى إلى المُسَاهَمَةِ فِي بروزِ سلوكياتٍ دخيلة عَلَى مُجْتَمَعِنا، وَلاسيَّما ما يتعلق مِنها بحرقِ المنازل وَإشاعة الرعب ما بَيْنَ النساء وَالأطفال، فضلاً عَنْ المساعيَ الخاصَّة بترسيخِ مبدأ المساومةِ لأجلِ منعِ تسليمِ الجُناة إلى الجهاتِ الأمنيَة وَالقَضائية. وَلعلَّ مِنْ المفيدِ الإشارة هنا إلى مَا أحدثته فوضى إطلاق النار العَشوائيّ خلال هَذِهِ النزاعاتِ مِنْ مآسٍ بفعلِ شدةِ سلبية آثارها المتأتية مِنْ سَلبِها أرواح المُواطَنين الأبرياء أو تعريضهم لإصاباتٍ خطرة قد تؤدي إلى الإعاقةِ الدائمة.
يمكن القول إنَّ هيبةَ الدَّوْلَة اصبحت فِي وضعٍ حرج نتيجة افتقار الأجهزةِ الحُكُومية إلى الآلياتِ الَّتِي مِنْ شأنِها معالجة حيثيات هَذِهِ الظاهِرة بشكلٍ حاسم، إذ تقلص دور الأجهزة الأمنية فِي كبحِ جماح المُساهمين بتفعيلِ مسارات النزاعات المسلحة، وَتراجعت فعالية مفاصلها فِي مُهِمّة التصدي لتبعات ظاهِرةَ الاقتتال العشائري، الأمر الَّذِي حفز البعض إلى اِسْتِغلال هَذَا التراخيّ فِي سلوكياتٍ بشعة مثل التجاوز عَلَى المال العام وَالاعتداء عَلَى الممتلكاتِ الخاصَّة وإغلاق الشوارع الرئيسة وَمواجهة رجال الأجهزة الأمنية !!.
فِي أمَانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.