الهوسات والأهازيج.. تراث خالد في العرف العشائري العراقي

2248

حسين شهيد المالكي

الهوسة، فن شعري حماسي معروف في العراق وبادية الشام، تقال في المناسبات والحروب وحتى في الافراح. والهوسة تبدأ شعرا ثم تأتي في الشطر الاخير، واحياناً ينسى الناس الشعر وتبقى الهوسة في الذاكرة.
وتعدّ الهوسات من العناصر المهمة في اثارة الهمم وايقاظ العزائم واعطاء القوة للرجال وتثير الحمية والنخوة في السامعين، وقد يساوي تأثيرها النفسي ما يساويه السلاح في يد الرجال.
والهوسات تعتمد بالدرجة الاولى على طبيعة الشعر ومضمونه والفكرة المراد ايصالها. وهناك اشخاص متخصصون في ذلك ويسمى (المهوسجي) وخير شاهد على تأثير الهوسات في همم وشجاعة الرجال في ثورة العشرين التي كان لها المردود الايجابي في شحذ الهمم واثارة الحماس للهجوم على الغزاة الانكليز. ونذكربعض النماذج منها حيث قال احد الشعراء من آل ازيرج مخاطبا (هاملتن) القائد الانكليزي عندما أراد الهجوم عليهم:
ذولة افروخ الازيرج موش أهل لملوم
يهاملتن تأدب لاتزومش دوم
بالسنكي معاك نريد نصفه اليوم
رد تدهده بحلك افه
أما الشيخ شعلان العطية الذي كان يعاني من رعشة وقد استهزأ به أحد قادة الانكليز، وقال له “لماذا ترعش”؟ وبعد ان انقض على القائد الانكليزي هو وافراد عشيرته وأردوهم قتيلاً، هوس الشيخ شعلان وكانت إجابة للقائد الانكليزي: “ارعش ما ارعش هذا انه”.
وفي عام 1916 أراد الانكليز ارسال نجدة عسكرية من الناصرية الى الجنرال طاوزند المحاصر في الكوت عبر نهر الغراف الذي يمر بأراضي السعدون، فتصدت للانكليز عشائر المنتفك من خفاجة والازيرج، واشتبكت معهم في قتال عنيف، وانتهى بانتصار المنتفك وتدمير النجدة الانكليزية، فأنشد مهوسجي المنتفك مفتخرا بالانتصار قائلا: “شرناها وعيت باهيزة”. وباهيزة هي المنطقة التي جرت فيها احداث المعركة وتقع شمال الناصرية.
والهوسة عادة تكون من بحر الخبب، هكذا صنفها الخليل بن احمد الفراهيدي، وتسمى لدى الشعراء الشعبيين بـ(الهوسة)، ومنهم من اسماها (الاهزوجة)، وهناك خطأ يقع به الشعراء حيث يسمون الهوسة بالعراضة، والعراضة يعرفها اهل الوسط والجنوب العراقي، خاصة أهالي الفرات الاوسط، ولها مراسيم خاصة مثل (عراضة الزواج) و(عراضة المتوفى).
تكتب الهوسات بأوزان الشعر الشعبي كافة كالموشح والنصاري والتجلية، ومنهم من يكتبها بأوزان اخرى، ولا تزيد ابياتها على ثلاثة ابيات يختتمها بالهوسة التي يجب ان تكون على تفعيلة الخبب (فعلن) لكي يؤدي المجتمعون مع المهوسجي الحركات التي تتواءم مع اهزوجته، وتتخلل الاهزوجة حركات راقصة، وغالباً ما يحمل الشاعر بيده بندقية، ويرقصها لإثارة الحماس، ويطلق الاخرون العيارات النارية من بنادقهم.
ويعد الشيخ مرزوك (ابو جفات) شيخ عشيرة (العوايد) التي يمتد سكناها بحوض الفرات الاوسط ومضيف الشيخ مرزوك في ناحية الشامية، من رجالات ثورة العشرين وقوادها. وان ثوار ثورة العشرين اجبروا الحكومة البريطانية انذاك بالنظر بجدية لمطالبهم بتشكيل حكومة وطنية، وخلال زيارة الملك فيصل الاول للالوية العراقية وحين وصوله للشامية كان الشيخ مرزوك باستقباله بمضيف عشيرته، وكان يرافق ملك العراق كل من رشيد علي الكيلاني ووزير الداخلية ناجي السويدي. طلب الملك فيصل من شيخ العوايد ان يهوس فأجابه الشيخ مرزوك لست “مهوالا” اي مهوسجي جلالة الملك. وهنا أمر رشيد علي الكيلاني شيخ مرزوك قائلاً له “مرزوك هوس لجلالة الملك”! لاحظ الشيخ مرزوك هذا الاسلوب الفظ من رشيد عالي حيث لم ينعته الشيخ، وحتى لم يكنِه بأبي جفات، فكبر ذلك عليه، وقال له نعم “هسة حلت الهوسة”، وانشد قائلاً وهو يعلم ان رشيد عالي الكيلاني والكثير من امثاله لم يكن لهم اسم يذكر في ثورة العشرين، وانما جاءته بالمصادفة، كما قال ابو المثل (ايجد ابو كلاش وياكل ابو جزمه)، وكان الشيخ مرزوك يعرف اسم أم رشيد عالي الكيلاني (علية) فأنشد قائلاً:
ذبحنه الصوجر وجبنه الملوكية
وابن علية وزير ويأمر عليه
بحظك هم شفت هاي الافندية
بالرارنجية انت اويانه
والرارنجية منطقة قريبة من مدينة الحلة باتجاه جنوب النجف حدثت فيها معركة ضارية مع الانكليز.
كما لعبت المرأة العراقية دوراً اساسياً في التحريض وبقيت ترافق أخاها المقاتل في سوح القتال وهي تشد من عزيمته وهمته. وينقل لنا التاريخ اشعاراً كثيرة من سفر البطولة والفداء، من ذلك قول الشاعرة (ارياسة) من عشيرة آل عمر والدة الشيخ مهيدي عطية آل صالح من رؤساء آل عمر في الدغارة وهي تخاطب الشيخ عطية آل دخيل شيخ عشائر الاكرع في الديوانية، وقد امسكت بلجام فرسه عندما عاد من وقعة له مع العثمانيين، وكانت اكبر منه سناً وأنشدت تقول:
عفرين بين أخي عفرين
يشيال راسي للميازين
يدعدوش يمرمل النساوين
يرمضان يمبلم الشياطين
يالذابح الباشات صوبين
وكان هناك موقف للشاعرة عفتة بنت صويح من عشيرة الازيرج عندما أسر أحد ابنائها من الانكليز وقد مر به عليها فلما شاهدته خشيت ان يناله الجبن أو الانكسار فأنشدت الهوسة: “بس لا يتعذر موش آنه”، فاجابها قائلاً: “خلوني بحلكه وكلت آنه”.
وهكذا ساهمت المرأة العراقية مع اخيها المقاتل وبقيت ترافقه وتشد من عزمه لتحقيق الانتصار على العدو من خلال أشعارها أو اهازيجها سواء كان في ثورة العشرين أم في الميادين الوطنية الاخرى.
وتعد الهوسات والاهازيج رسائل ذات ابعاد سياسية واجتماعية هادفة تتجدد في ذاكرة العراقيين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.