ماذا بقي من مشروع التسوية التاريخية ؟

يتذكر أبناء الشعب العراقي, أيام الحصار الظالم الذي فرض عليه, من قبل الأمم المتحدة بدفع أمريكي, بعد احداث الكويت عام 1991، حينها لم يكن النظام الدكتاتوري هو المستهدف فيها, فقد كان يعيش على الآم الشعب, ويتلذذ بمعاناته, لما يحمله عليه من حقد معلن، خصوصاً بعد الانتفاضة الشعبانية، وقد توج الحصار بالصفقة المعروفة بالنفط مقابل الغذاء, التي أذلت الشعب العراقي وجعلته أسير الحصة التموينية، في الوقت الذي كان النظام يبني القصور, ويعيش حياة البذخ والرفاهية, فهو المتحكم بمقدرات وموارد البلد, ولا يهمه ان يذهب الشعب الى الجحيم، كانت الامم المتحدة شريكاً سيئاً لامريكا والنظام, في محاصرة الشعب العراقي وحرمانه, من أبسط متطلبات الحياة بحجة العقوبات.
اليوم تعاد الكرة على الشعب العراقي, لفرض معادلة جديدة أشد مضاضة من سابقتها, وبإشراف الأمم المتحدة مرة أخرى، معادلة الامن مقابل التنازلات والتسوية التاريخية، في محاولة لخداع الشعب, الذي يتطلع كغيره من الشعوب, الى الأمن والأمان والعيش بسلام، وهذا مطلب لو تحقق كهدف لهذ التسوية, لكان انجازا بحد ذاته، ولكن الامر أبعد من ذلك، ومن يدّعي قدرته على ضمان الأمن, كأحد مخرجات التسوية التاريخية, فهو كمن يخبط خبط عشواء، حتى مع ادعائه انه سيتفاوض مع مشغلي الجماعات الارهابية وداعميها، وذهابه الى المايسترو وصاحب القرار، فالمشروع برمته لن يكون أكثر من صفقة وهمية, تعيد تثبيت المواقع وتقسيم الحصص, وتبادل أوراق اعتماد الكتل السياسية التقليدية فيما بينها، واعادة تدوير وتسويق شخصيات مرفوضة شعبياً, ومتهمة قضائياً, وفرضها على الواقع السياسي.
ان اي مشروع لصياغة الوضع السياسي, والعلاقة بين مكونات الشعب العراقي بعد مرحلة داعش, يتجاهل القوى الصاعدة, التي كان لها الدور الفاعل في هزيمة داعش, يعد مشروعاً ميتاً لا يملك مقومات النجاح، فهذه القوى قدمت التضحيات الجسام, من أجل حفظ وحدة العراق وكيانه السياسي، والتي تحركت وبادرت ووقفت في الميدان, في الوقت الذي تقاعس فيه البعض, وتآمر البعض الآخر, و وقف على التل بانتظار ما تؤول اليه الأحداث, وما سيحل بالعراق من مصير رسمته دوائر الشر, التي أطلقت كلاب داعش لتمزق بها وحدته أرضاً وشعباً.
كما ان المشروع الذي لا يأخذ بنظر الاعتبار, تحفظات القوى الفاعلة, ستثار الشكوك حول دوافعه وأهدافه, ومن يقف وراءه, وبالتالي يفقد زخمه الشعبي, ويصبح كمشروع النفط مقابل الغذاء, الذي اتخم النظام, ومنحه القدرة على البقاء, مقابل تجويع الشعب العراقي وحرمانه, واختصار حياته بحصة تموينية, لا يستطيع العيش بدونها، كانت صفقة مهينة نرجو ان لا تتكرر, فالشعب الذي رفع السلاح, وقاتل من أجل الحفاظ على الأعراض والأوطان والمقدسات, حري به ان يفرض معادلة الأمن, لا أن يستجديها من المهزومين، وأبناء الشعب بجميع طوائفهم, الذين وقفوا في الميدان, اقدر على صياغة مشروع وطني لعراق موحد, دون ان يكون التنازل بين إخوة الوطن والدم, تنازلا يحسب في ميزان الربح والخسارة، فوحدة شعب العراق شيعة وسنة, عرباً وأكراداً وتركماناً, مسلمين ومسيحيين وايزيديين حفظتها دماء أبنائه, التي امتزجت على أرضه المقدسة, ولا يمكن ان تحفظها مشاريع تسوية, ليس لها رصيد شعبي, أو تتجاهل أصحاب القرار الحقيقيين.

محمد محي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.