في ذكرى وفاته الاولى «المراقب العراقي » تعيد نشر لقاء مع الكاتب الراحل خضيري ميري

2418

حامد الحمراني

كان هذا لقائي مع الراحل الفيلسوف خضير ميري في القاهرة قبل نحو عشر سنوات، عام 2007 على وجه التحديد، كان مهاجرا ومهجرا ومطرودا من العراق، يتسابق على قتله الارهابيون لانه كان عراقيا مثقفا لا يؤمن بثقافة الكراهية.

ـ انا ضد من يعيشون على المكاسب ويخافون من التضحيات
ـ يجب ان نتخلص من ثقافة الموتى والتحنيط في التاريخ وان نكتب ما نعيشه وان نتخلص من الاستعراض الثقافي ومن التراكم المعلوماتي الذي يورث الغباء
أجرى الحوار: حامد الحمراني/ القاهرة
لقد ارتكبت كل حماقاتي بهذا البلد واعطيت فرصة للاخرين كي ينالوا مني لا لشيء فقط لاعطي قيمة للثقافة العراقية، وهانذا اعلن خروجي وهجرتي من العراق لابحث عن صحراء تليق بامنيتي بعد ان بدأت لغة لا افهمها، فلأول مرة احس ان العراق بدأ يضيع وانا لا املك الا ضلوعي واحلامي وحذائي الذي يسيرني حيث يشاء الجنون، اعلن مغادرتي من العراق الذي اصبح من حق من يعرف اللعبة وليس من هو ضحيتها.
بهذه الكلمات اختتم خضير ميري الناقد والفيلسوف والمجنون والشاعر وجوده في العراق تاركا وراءه عموده الثقافي في صحيفة الصباح الذي استمر اكثر من سنة، واسئلة خلقها واسئلة بقيت تدغدغ ميله الى المشاكسة فلم يجب عليها واسئلة يقول انها فن الفنون، ترك العراق متوجها الى القاهرة.
وعلى مسرح الاوبرا مصادفة ونحن بانتظار المسرحية العراقية (نساء في الحرب) التي تحكي زمن الطاغية وكيف كان هو السبب في هجرة العقول المثقفة فقد ابكتنا كثيرا وجعلتنا نلعن الدكتاتورية المقيتة في شوارع القاهرة مليون مرة.
التقيت ميري وقبلها بيومين اتصل بي الشاعر المبدع عمر عجيل السراي انه في سوريا بعد تلقيه التهديد من لا يعرف منهم الا انهم هددوه وقلت في نفسي انها مواسم الهجرة الى خارج العراق.
* لماذا القاهرة استاذ ميري؟
ـ ليس الذهاب الى القاهرة هجرة بالمعنى الحقيقي، انها محطة لاسترداد الطاقة ومحاولة لسحب كمية كافية من الاوكسجين بلا اتربة وفرصة لاعادة الاعمال الكتابية واستكمال بعض المشاريع.
واستدرك ميري: نعم ان وجودي الان في العراق لا يخلو من مخاطر، بغض النظر عن التوصيفات الثقافية او الابداعية او ان تكون صاحب راي او مشاكساً او مجنوناً انت مستهدف، الكل مستهدفون.
انا شخصيا اقف عاجزا ازاء فهم ما يجري في العراق، ابتداء من عدم قدرة الاحتلال على استكمال شروطه في جلب الامن وانتهاء بلهاث الحكومات في ترقيع الاوضاع وشللها الكامل ازاء حماية المواطنين الابرياء، مرورا بالطائفية الزائفة التي اصبحت لسان حال كل القوى السياسية بلا استثناء. ولعل شعوري لعدم جدوى وجودي في العراق الا ان اكون رقما جديدا في قائمة الضحايا هو الذي دفعني الى الهجرة من العراق.
* اين تكمن الازمة؟
ـ من الجانب الفكري فان العراق لم يؤسس خطابا معرفيا مجردا عن نوازع مثقفيه ولعل ضعف المثقف العلماني المتطور وطغيان الدكتاتورية مدة طويلة وشيوع القتل المشروع (المبرر) انتج طبقة كبيرة من المجرمين ساعدت على تفشي مظاهر العنف والارهاب فيما بعد.
* هذا منطق سياسي ام ثقافي ام فلسفي؟ وهل انت فيلسوف؟
ـ لست فيلسوفا، ولكنني اكتب في الفلسفة، وكانت لي محاولات مبكرة لانتاج افكار فلسفية ليست خالصة لكونها مزيجاً من الشعرية والجمالية وانا اقرب بالكتابة الفلسفية الى “نيتشه” مني الى كبار الفلاسفة المهتمين، ولعلي كنت انادي بما اطلق عليه بتفكير ما بعد الفلسفة وهو مشروع يتخطى الفلسفة كونها منهجا متعاليا ليكون مجرد كتابة ابداعية، بمعنى ان الفلسفة كانت توهم نفسها بالبحث عن حقيقة خارجها بينما فكر “ما بعد الفلسفة” يعتقد انه لا توجد حقيقة خارج الفلسفة. وبما ان الادب في تقنيات متطورة “بفن الاكاذيب” وان الوهم اصل الجماليات فان الفلسفة فن ابداعي يتيح للمفاهيم والتصورات والافكار وهو غير مسؤول عن تطبيقها. فالمادة عن كارل ماركس هي مفهوم فلسفي لا تقل وهما عن فكرة المثال عند المثاليين وكلاهما نتاج مبدعين وهكذا فان علينا ان نعود الى الفلسفة الى رحمها الاصلي القائم بفن التعبير. والتفكير هو فن انتاج المفاهيم بذات المعنى الذي يتيح الروائي شخصياته والشاعر دلالاته وانا مدين بالكثير من هذه الافكار الى “جيل ديلوز” وهو من تلاميذ فوكو ـ وقد مات منتحرا ـ حيث انه قال ان الفلسفة هي ابداع المفاهيم.
* يعني ان الازمة ازمة فلسفية ام سياسية ام اخلاقية؟
ـ الاجيال الثقافية في العراق ليس لها علاقة بالفلسفة وهي اجيال هشة توارت خلف سلطة الشعر، واعتاشت عليه بدءا من السياب وانتهاء وليس نهاية بخزعل الماجدي. لم يكن الجواهري ولا البياتي ولا حتى مظفر النواب يستطيعون ان يقدموا فكرا، ان شعراء مثل اركون او فنانين مثل سلفادور دالي قدموا ردا فلسفيا وافكارا اما نحن فشعراؤنا مجرد شعراء يعيشون على انتهازية الشعر.
* اين الحل؟
ـ نحن بحاجة لتكريس الانقطاعات ان نتخلص من سلطة السلف وان نتخلص من ثقافة الموتى والتحنيط في التاريخ وان نكتب ما نعيشه وان نتخلص من الاستعراض الثقافي ومن التراكم المعلوماتي الذي يورث الغباء، وان نسمح لانفسنا ان نبدأ دائما من الصفر علينا ان نكتب مثلما نحيا لا مثل ما نقرأ. ولعل الشعار “ان الكتابة الجديدة بحاجة الى خيانة المرجعيات” هي النموذج الامثل، يجب ان نكتب شيئا لم يكتب بعد.
* وماذا وجد ميري عندما فقد عقله قديما؟
ـ لم اكن قديما سياسيا كنت متمردا واستطعت ان انتزع حريتي من بلدي كاملة ولم استجدِها من بلد اخر. ففي عام 2001 في عمان هاجمت المعارضة لانني على دراية بانهم لا يمثلون مواقف سياسية حقيقية، وعندما عادوا بعد السقوط عادوا ليجلسوا على كراسي الاخرين ولعدم وجود الامان عادوا من حيث اتوا، “انهم يعيشون على المكاسب ويخافون من التضحيات”. لم اكن سياسيا، نعم، لقد اقتنعت في الماركسية والوجودية والبنوية والجنون ولا اصلح ان اكون نموذجا لاي شخص اخر. لم اتاثر بالثقافة العراقية قط، لم اقرأ لاحد حتى اصير مثله، انا ممارسة ابداعية ممكن ان تكون مهمة اذا توفرت لها ظروف الاصغاء والتعبير.
* وما قضية الجنون؟
ـ تجربتي الخاصة التي ادعيتها في زمن النظام السابق دفاعا عن حياتي ووجدتها بعد ذلك تجربة مثيرة كتبت عنها وساعدتني على الانتشار والترويج (وما زلت اعتاش عليها) فانا الان اعمل على اصدار المجلد الاول “تاريخ الجنون في العقل العربي” الذي اثبت من خلاله ان العقل العربي كان اقرب الى الجنون بدءا من جنون الاشياء وانتهاء بالحكام العرب الذين كانوا يملكون خمسة آلاف جارية ويسفكون الدماء في الليل مع شرب النبيذ.
* والوطن؟
ـ هو انتماء اختياري اكثر ما هو انتماء اصيل.
* هل خضير ميري راضٍ عن نفسه؟
ـ انا راض عن نفسي بقدر ما انني افكر جيدا واقرأ جيدا وامارس حياتي بلا قيم زائفة، وكلما استيقظت صباحا وارى انه لم ينطوِ علي شيء فساقول هذا حسن.
وتابع ميري: انا مجنون ولكني ليس بالدرجة التي تجعلني اواجه الازمة في العراق، فالقتلة مجهولون والجثث مجهولة والمليشيات المسلحة مجهولة “انه بلد الاشباح”. انهم يلعبون في مقدرات الشعب، والذي يحدث ليس حربا اهلية، وانما تضافرت الجهود العالمية لشن حرب ابادة ضد الشعب العراقي من اجل مصالح آنية.
* هل انت مهزوم؟
ـ حيثما يكون موت في بلدك لا يوجد انتصار بعد ذلك، انا مجرد كاتب لا يخلو من برجوازية يحلم بقلم وطاولة ومكان آمن يكتب فيه. اعرف جيدا ان للعراق تاريخاً عظيماً ولكني جربت كل الطرق ولكني فشلت، انا لا استطيع العيش في العراق، واعتقد لو عاد “لوركا ” الى الحياة لاختار نهاية اخرى غير القتل. انا اريد ان اكتب عن الحياة، وليس للمبدأ الذي سرعان ما يخطأ ويزول.
* هل يشهد العراق هجرة منظمة للمثقفين؟
ـ يجب ان لا نكبر سفر البعض منا لشيء او لاخر حتى يقولوا هناك هجرة جديدة للمثقف العراقي، البقاء في الوطن مشروع انساني كبير، واذا كنت انا او غيري لم نستطع ان نمضي حتى النهاية بسبب “القدرات القابلة للنضوب” فليس الهجرة بديلا. وانا شخصيا ما زلت اكتب في العراق باستمرار من خلال عمودي وكتبي في القاهرة واعادة كتبي التي حرمت من المطالعة في العراق لاني كرست حياتي في بلدي، لقد وجدت نفسي غير مقروء كما ينبغي.
* من خلال عمودك في الصباح الثقافي عدك البعض ناقداً؟
ـ لست ناقدا، بسبب نقصان العقلانية عندي وفقدان الاحكام ورغبتي في تصحيح الكتابة، لاني ذاتيا اكتبها مغلوطة، كما ان الناقد عندنا متهم بانعدام الابداع ـ وهو لقلق عجوز يراقب الناس من اعلى ـ، فلا يمكن لكاتب لا اخلاقي مثلي ان يطرح نفسه بصيغة ناقد. لقد سبب لي العمود في الصباح خلافات كثيرة انا افتعلتها. اما محمد خضير فهو امتداد منهجي قديم وقد هاجمه خضير للتنظير اكثر مما يجب ومحاولته الدفاع عن كل كتاباته وعدم الاعتراف بان بعضها كتابة مرحلية كـ”كراسة كانون” وهي ليست رواية ولا تمثل محمد خضير.
اقولها بصراحة لقد كتب محمد خضير عني بغاية الانسانية وانا قابلتها بغاية الجحود لاني كنت ادرك نفسيا حاجة القارئ لان يجدني وقحا، ولكن عمود محمد خضير كان اكثر اقناعا من ردي عليه، لقد كان كيسا ولطيفا.
انا من سلالة رامبو ومحمد شكري المغربي وغيرهم من الكتاب الذين ذهبوا الى الهامش او صعدوا اليه، ولهذا انا اكتب كتابة صريحة وصادقة واشعر بان سيدتي المراهقة تغذي اعمالي، وحكايات من الشماعية هي بداية المنعطف في كتاباتي.
* وما الذي يفعله خضير ميري في القاهرة؟
ـ انا بصدد اعادة طباعة كتبي (ايام الجنون والعسل)، (حكايات من الشماعية)، (اوراق منزوعة من كتابة الجنون)، (جن وجنون وجريمة ـ رواية) تحكي عن استبدال المجانين بالمحكومين بالاعدام في النظام السابق، (صحراء بوذا) نثر طويل مطبوع في فلسطين واعادة طبعه، (الجنون في اذار)، (تاريح الجنون في العقل العربي)، واكتب حاليا عملا طويلا وهو قصص مسرودة روائيا، و(والشيطان من الخلف). والان نعد لتجربة فلم سينمائي قصير انا كتبت السيناريو ويخرجه الفنان حيدر المقيم في امريكا اسمه (القاهرة والجنون). كتبت مسلسل (في بيتنا مجنون) من 28 حلقة، وتم الاتفاق على ان يكون باللغة الفصحى حتى يتم تمثيله من الفنانين المصريين، وهي فنطازيا واقعية تصلح في أي مكان واي زمان وتحكي عن شخص مجهول في عائلة برجوازية ويعيد ترتيبها ويصبح هو العاقل الوحيد في تلك العائلة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.