لا بديل عن سلطة القانون

ليس خافياً أنَّ النظامَ العشائريّ فٍي العراق فقد بريقه الَّذِي كان سائداً منذ أيام الدَّوْلَة العثمانيّة؛ جراء تبني قادة ثورة 14 تموز 1958 م، سِّياسة تقوم عَلَى ترسيخِ دعائم المُجْتَمَع المَدَنيّ، سعياً فٍي ترجيحِ كفة القَانُون وَالحدِ مِنْ دورِ العشيرة فِي الدَّوْلَة، الأمر الَّذِي أفضى إلى تقويضِ سُّلطة العشيرة، إلا أنَّ النظامَ السابق وجد فِي العشائرِ حاجة ملحة لتدعيمِ أركان حكمه، فعمد إلى تقويتِها عَلَى حسابِ مرتكزاتِ الدَّوْلَة المَدَنية. وقد وجدت العشائر العراقية بعد عام 2003 م آفاقاً رحبة للتوسعِ وَالنُمُوّ؛ بالنظرِ لإخفاقِ القيادات الإدارية فِي تفعيلِ سُّلطة القَانُون حتى بات القضاء العشائري أيسر السُّبُل المتاحة لمعالجةِ مَا يحصل مِنْ النزاعاتِ أو الخلافات، وَالَّتِي يُعَد القَانُون أولى بحسمِها.
ضمن هَذَا الإطار، لا مغالاةً فِي القولِ إنَّ قَانُونَ العشيرة يبقى عاجزاً عَنْ التمددِ وَالاستمرار بمنافسةِ القضاء المَدَنيّ فِي ظلِ سيادة سُّلطة القَانُون، وَالَّتِي تعبر مِنْ دُونِ أدنى شك عَنْ قوةِ الدَّوْلَة وَحزم أجهزتها التنفيذية فِي تطبيقِ التشريعات القَانُونية النافذة، وَلاسيَّما الأمنية المعنية بصيانةِ كرامة المواطن وَمواجهةِ محاولات الإساءة إلى الشرائحِ الاجتماعية أو أي من أفرادِها. إذ مِنْ غيرِ المعقول أَنْ يتجاوز المسؤول أسوار القضاء المَدَنيّ وَيلجأ إلى خيارِ القضاء العشائري فِي معالجةِ مَا يحدث له مِنْ مُشْكِلات، مثلما حصل فِي الكثيرِ مِنْ الوقائع خلال المدة الماضية.
الْمُلْفِتُ أَنَّ سنواتَ المرحلة الانتقالية فِي بلادِنا، أفرزت الكثير مِنْ الظواهرِ الَّتِي تشكل خروجاً عَلِى المألوفِ مِنْ أعرافِ العشيرة، وَالَّتِي تُعَد أنظمة لها بعد أَنْ تجرأت بعض العشائر عَلِى الإيغال بفرضِ أساليب لا تتلاءم طبيعة مضامينها مَعَ الأحكامِ العرفية للعشيرةِ المتعارف عَليها، إذ لَمْ يُعَد سعيها صوب محاولة تطبيق مَا ترغب مِنْ التدابيرِ أو الإجراءات أمراً عسيراً؛ بالنظرِ لما يحققه لها مِنْ مآربٍ بمعزلٍ عما هو متعارف عليه مِنْ اللوائحِ العرفية الَّتِي جرى إقرارها منذ عقود طويلة بصيغةِ السنن العشائرية الملزمة التطبيق، وَالَّتِي يشار إليها محلياً باسمِ ( السنينة ). وَهو الأمر الَّذِي أفضى إلى ضياعِ أغلب الأعراف الَّتِي كانت تشكل بصياغتِها الإنسانيَّة وَصدق النوايا بُحسنِ تطبيقها الضوابط الأقرب إلى متطلباتِ إشاعة الود وَالتسامح فِي مُجْتَمَعِنا.
غنيٌّ عَنْ القولِ أَنَّ العراقَ بعد ثلاثة عشرِ عاماً مِنْ مغادرةِ محن حقبةِ النظام الديكتاتوري الشمولي، ما يَزال بحاجةٍ إلى تفعيلِ سُّلطة القَانُون، لأجلِ ترصين قواعد النظام الديمقراطي وَترسيخِ التقاليد الديمقراطية، حيث أصبحتْ هَذِه التقاليد قبالة مَنَعَة مَنْظُومَة العرف العشائري وَ قوتها بمثابةِ امتداد لسنواتِ الفراغ الأمني الَّتِي أعقبت سقوط النظام السابق، ما أفضى إلى معاناتها الضعف وَالهشاشة فَي التطبيق. وَأدهى مِنْ ذلك تسابق الكثير مِنْ المسؤولينِ إلى محاولةِ تكريسِ غلبة قَانُونَ العشيرة على أحكامِ القضاء، فضلاً عَنْ حزمةِ القَوَانِين النافذة لأغراضٍ شتى، حيث وصل الأمر ببعضِهم إلى معالجةِ ما يحصل مَا بينهم مِنْ خلافاتٍ بعيداً عَنْ مؤسساتِ السُّلطة القضائية، وَاللجوء طوعاً إلى حيثياتِ النظام العشائري بعد تيقنهم عَلَى مَا يَبْدُو أنَّ سلطةَ القَانُون قد أصابها الوهن وَفت عضدها.
فِي أمَانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.