بين تناقض الرؤى واختلال المفاهيم

بين الظاهر والباطن برزخ عجيب يعيش الانسان على وفق تناقضاته صاغراً في معظم حالاته وناقداً في بعض أوقاته … ومع ان البشرية تجتمع بالصفات الظاهرية , الآدمية المشتركة لكنها تختلف جذرياً من الباطن في التفكير والمشاعر والميول والقناعة وما الى ذلك , ليس من المعيب في كثير من الاحيان هذا التباين والاختلاف للإنسان اذا لم تتعارض مفاهيمه مع الصواب والعقل والمنطق السليم .. فالناس تحكمها ولاءات مختلفة وتتبع عقائد ومذاهب متنوعة وتبنى عواطفها وفقاً للزمان والمكان الذي يحيط وجودها .. وكل ذلك أمر طبيعي اذا كان يدور في محور التعايش السلمي وضمن حدود وأطر انسانية مملوءة بالاحترام والتسامح بعيدة عن العنف والقتال وتكفير الآخرين وإباحة دمائهم وأعراضهم لمجرد الاختلاف في الرأي ..
في الزمن الذي نعيش مجرياته اليوم ونطوي لحظاته الصعبة نفقد وجود الانسان الذي هو نظير أخيه الانسان الآخر بعد ان أحكم الشيطان اغلاله حول أعناق الشعوب واستطاع ان يقلب موازين المنطق في اذهانهم .. كثرت المتناقضات في زماننا العجيب .. وأعدمت العواطف المرهفة , والقيم الصادقة , تحت مقصلة الانظمة الشيطانية الحاكمة , وتحوّلت البشرية الى مجموعات يحكمها قطيع شاذ من الذئاب .. وباتت كل فئة في المجتمع تقودها غرائز الوجود الحيواني بعيداً عن روح الانسانية والعقلانية .. العالم يموج بالصراعات الملتهبة وتقود ارادته طباع القسوة والافتراس , وتتبنى شعوب البلدان المختلفة شعار الغابة (ان لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب).. الواقع الذي نحن فيه بدت أفعال البشر أكثر رعباً وقبحاً من فعال أسوأ المخلوقات … ما يجري على وجه الأرض ونشاهد صوره عبر شاشات الاعلام , يختصر المعنى الأليم الذي تمر به الانسانية من محن وتدنٍ بالصفات الآدمية الصالحة , فهناك دماء تجري في كل بقعة في البلاد , هناك موت مؤلم تذوق نزاعاته البشرية من مجاعة أو أنظمة متسلطة ظالمة أو حروب باطلة أو عقائد فاسدة صنعها أولياء الشيطان .. انشأت أفكاراً خاطئة متعصبة وجاهلة .. فهناك طفل يُقتل بدم بارد , ورجل يُنحر بلا حساب لشيبته وعوده المتآكل , وامرأة تُسبى وتوئد بلا ذنب , وبلاد تُحرق ويُعاث بخيراتها وتُدمر مساكن أهلها , هنا .. وهنا.. ملايين الدموع وملايين الحسرات .. الشيطان الاكبر .. يجلس على عرشه الملوث بالإجرام والقيم الفاسدة , يحكم الدول ببيادق السوء , وملوك النفط , يمتص من عروق أهلها أخلاقهم الحميدة , ويتمدد طغيانه على حساب أموالهم وخيراتهم .. حاملاً راية الصهيونية مدافعاً عنها أمام مقاومة الشعوب المغتصب حقوقها والمسلوبة أراضيها ..
ما يرسم علامات الاستغراب والحيرة في أذهان العقلاء أن الشعوب التي تشرب كأس الألم والذلة والمهانة على أيدي الأنظمة الفاسدة وسلاطين الجور , باتت فاقدة للبصر والبصيرة , حيث اختلطت في رؤاها الحقائق والمفاهيم , وعجنت مشاعرها بالعنصرية والقومية والطائفية , التي غرس جذورها الاستعمار والاستكبار لتصبح إسرائيل الغاصبة عند الاعراب وبعض المسلمين .. صديقة مسالمة يمكن الوثوق بها , وإقامة العلاقات الاقتصادية معها , وأن الدول الاسلامية والحركات المقاومة لاعتدائها واحتلالها للأراضي الفلسطينية , جهات إرهابية يجب محاربتها وأضعاف قوتها في المنطقة , كما هو واقع العربان في معاملة الجمهورية الاسلامية في ايران وحزب الله في لبنان .. بينما ركعت المملكة الوهابية أمام أرادة البيت الاسود , وهي تفتح خزائن بلادها ليغرف منها الطاغوت الامريكي والكيان الصهيوني ليغذي عدوانه وإجرامه .. آل سعود استضافت حكام العرب وملوكها حول مأدبة أقامتها على شرف ترامب لتجدد فيها عهود الطاعة والولاء للشيطان الأكبر .. وتعلن من أرض الحجاز حربها على ايران وجميع الحركات المناهضة للصهيونية , التناقض يبرز في المواقف الشائنة للشعوب المسلمة وسكوتها وتأييدها للزعامات والملوك , التي أسست منظمات القتل وعصابات الطرق , وشرعتها بفتاوى علماء السوء والسلطة .. واجتمعت لتبرر للصهاينة اباحة الدماء واحتلال الاراضي العربية , الشعوب أصدر لها الاستكبار هوية (لا اسلامية قومية طائفية) تتشظى الى عناوين أخرى إذا اقتضت المصلحة الامريكية – الصهيونية.

محمد فاضل الساعدي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.