بين غياب الثقافة وانعدام الضمير

انطلقت قافلة الأعوام الماضية بسرعة خاطفة نحو مستقبل مجهول يحمل بين طياته غرائب الزمن الحديث وعجائبه , ليمحو زمن طيب لم يبقَ منه سوى ذكريات أهله البسطاء ليرسم لوحات حب واحترام جسدت معانيها الطيّبة الأجيال الراحلة بأروع السمات العالية للروح الاجتماعية .. امتلأت بألوان الصدق والنية الناصعة التي انتج أهلها أقدس مدارس الأخلاق الحميدة والصفات العظيمة وتخرجت منها أجيال ناضجة تحمل رجولة الفكر وعقيدة المحبة وثقافة التعايش بسلام تحت ظل الاخوة والمحبة والتسامح .. الحاضر واكب تطور الأحداث وسجل سبقاً رائعاً في العلوم المتقدمة والصناعة المتطورة والتكنولوجيا الحديثة .. لكنه وسط زحمة العالم الرقمي وفي عصر السرعة (كما يقال) ضاع بين طيّات وجوده الانسان وضاعت الحياة النشطة المشرقة وتمزقت الاواصر الاجتماعية ولم يبقَ سوى جسد خامل تسجد حواسه أمام تكنولوجيا المعلومات ليدمن كأسها , وينادم ليلها , ساهراً أمام شاشتها الكبيرة والصغيرة , ليصبح عبداً لإرادة مؤسسات لها أغراضها وغاياتها المشبوهة والمدمرة لكماله الانساني المنشود .. وسائل الاتصال وشبكات الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي مع ما لها من منافع كثيرة ، إلا ان هناك جهات مغرضة ومنظمات عالمية ومحلية فاسدة استطاعت من خلال منظومة المعلومات الكاذبة والمضللة التي تضخ بها ليل نهار أن تجسد الأفكار السيئة في عقول الناس وتتلاعب بأذهانهم لتلقي بهم نحو هاوية الانحراف والفشل والإلحاد .. تنظيمات ارهابية ومافيات عالمية تسللت أفكارها وعقائدها الفاسدة من خلال هذا العالم الرقمي واستغلت الشباب الجاهل وجندته في منظماتها الاجرامية ليكون حطباً لشهواتها وغاياتها ليعتدي ويقتل ويفجر نفسه بين جموع الأبرياء .. الانفتاح والحرية وفقدان الرقابة الابوية والحكومية , فتح باب التهتك والإباحة على مصراعيه للأجيال بأعمارها المختلفة وأصبحت أعراض الناس تُنتهك وتُباع وتُشترى ودماؤهم تستباح فقط لترضي نزوة فاسق بلا دين ولا ضمير…
تمرّد البعض على قيمه وأفكاره وعقيدته وصار يرى بمنظار الغرب وأصبح التديّن في ثقافته تخلفاً ، والميوعة والتبذل تطوّراً .. وفي عمق الهلوسة التي يعيشها الشاب في بلادنا ووسط احتراق أحلامه الوردية تحت هشيم نار الفقر والحاجة ، كان هناك من يدس السم القاتل له بين موجات الأثير ويشوّه العقائد الصحيحة ويؤسس لأخرى مزيفة يضع الفخاخ وينصب الشباك ليقع الضعفاء فريسة سهلة بين أنياب الكفر والإلحاد ..
ونحن اذا حاولنا ان نستفيق من الغفلة التي يغلُّ بها العدو عقولنا ونظرنا ببصيرة الوعي الانساني وفكرنا بعقل سليم ورؤية صائبة فأننا سنستنتج وبوضوح ان من أهم الأمور التي تحارب وجودها المؤسسات والجهات المشبوهة وتعمل بكل ما لديها من طاقة وجهد وإمكانيات للقضاء عليها وتشويه صورتها في محيط وأعماق , وظاهر وباطن , هذا العالم الرقمي هي العقيدة الاسلامية المحمدية الأصيلة ..
الاستكبار العالمي والصهيوني .. أكثر ما يقلقهم ويرعب جمعهم انتشار الفكر الاسلامي الأصيل , الذي تأسس وجوده على البر والتقوى والسلام والمحبة والعدل والإيمان , ولذا فان العدو يعمل على رسم صورة مشوهة له .. مؤسساً لعقائد فاسدة يقتبس تعاليمها من حبر دعاة السلاطين , في العصور المتعاقبة , ومما دونت أقلام المغرضين والمنحرفين من الماضين , كما أسس (الفكر الوهابي) وما حقق من نتاجه السيئ متمثلا بتنظيم القاعدة وأخواتها الاجرامية , ليوحي لأذهان المستخدمين عبر شبكات العالم المتنوعة ، ان الاسلام دين متخلف لا يؤمن اتباعه بالسلام والتطور والحداثة ولا يعرف أصحابه غير لغة الذبح والشهوات .. ومن هذا المنطلق نحصد في العراق اليوم ومن خلال ما يزرعه الانترنيت بين أسوار منازلنا مآسي كثيرة وكبيرة لا تنتهي .. ففي وسط الاضطرابات والصراعات وغياب الأمن والأمان وانتشار الفقر والمرض وتدهور التعليم .. هناك أيادٍ متنفذة وعقول ضالة تنصب الحيل وتحوك شباك الخطط الماكرة يرعاها (الشيطان الاكبر)… كل ذلك ابتغاء توجيه التهم المزيفة لعقيدة الاسلام وتصويب سهام النقد الى اتباعه .. فمثلا في الآونة الأخيرة تتكرر بعض الأحداث المشبوهة للخطف والقتل لشخصيات تسلّط مواقع التواصل بين ليلة وضحاها , أضواء الشهرة عليها .. ويرى المتابعون ان بعض أفعالهم أو تصريحاتهم مخالفة لأخلاق الدين الاسلامي الحنيف , ترى السذج والسفهاء وأصحاب الغايات الدنيئة دائما يشيرون بأصابع الاتهام نحو الاسلاميين والفصائل الاسلامية في العراق .. متناسين دورها الجهادي في صون البلد وحفظ دماء أهله وحماية أرضه ومقدساته .. وهم من أحرص الناس على الالتزام بقوانين الاسلام والتحلي بأخلاقه , وما أسهل تلفيق التهم للآخرين في وقتنا الحاضر دون حجة أو دليل .. ولذا فالعقلاء .. يدركون بان العدو الحقيقي للبلد والمتنكرين لهويته الاسلامية .. هم فقط من يريدون بث الرعب بين أهله وسلب أمانه وارباك استقراره .

محمد فاضل الساعدي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.