ملحمة عاشوراء سفر إنساني ومأثرة خالدة

لا نبعد عَنْ الصَوَابِ إذا قُلْنَا إنَّ ملحمةَ عاشوراء، تُعَدّ منارة للبشريةِ برمتها، بوصفِها سفراً إنسانياً ومأثرة خالدة أنارت طريق الناس فِي كلِّ زمانٍ ومكان مِنْ أجلِ التحرر والانعتاق، ما يعني استحالة النظر إلى النهضةِ الحسينية المباركة عبر قنواتٍ ضيقة التحليل؛ لأَنَّ تلك الرؤى القاصرة أو الضالة مِنْ شأنِها تقليص سعة أبعادها الإنسانية، فضلاً عَنْ تعريضِ أصحابها إلى الوقوعِ – بقصدٍ أو مِنْ دُونه – فِي جملةِ أخطاءٍ تاريخية تتمحور حول قصور معرفيّ بحقيقة تلك النهضة العظيمة، وَلاسيَّما ما يتعلق منها فِي تصورِ البعض اقتصارِ أهدافها عَلَى الشعوبِ والأمم الَّتِي تتخذُ مِن الإسلامِ ديناً ومنهجاً للحياة؛ ليس خافياً أنَّ النهضةَ الحسينية المباركة تتعدى تلك الطروحات بمدياتِ أوسع وآفاق أرحب لتتشمل مساحة تأثيرها جميع أرجاء المعمورة، بوصفها نبضاً إنسانياً سيبقى إلى الأبد رمزاً للرفضِ والاحتجاج بقصدِ التحرر، ومناراً يهتدى به مِنْ الشعوب والأمم التواقة إلى الحرية، وَالَّتِي تتطلع إلى نيلِ كرامتها.
غَنِيٌّ عَنِ البَيَانِ أَنَّ نبلَ أهداف النهضة الحسينية المباركة التي تمثلت فِي السعيِّ إلى إعلاءِ كلمة الحق والعدل، بالإضافةِ إلى تفردِ معانيها بمهمةِ استنهاض محركات وعيِّ الأمم والشعوب؛ لأجلِ إثبات قيم الحرية فِي مواجهةِ طغيان استبداد الحكام وتعمدهم سلب إرادة الرعية، ترتب عليها تحول ملحمة الطف الخالدة إلى مدرسةٍ جهادية وتربوية وإنسانية، أنارت بفعلِ سلامةِ منهجها – فِي سبيلِ ترسيخ دعائم رسالة الحق – دروب الثائرين الحالمين بغدٍ جديد موشحاً بنسماتِ الحرية والكرامة؛ بالنظرِ لكونِها حركة سياسية إصلاحية تجسدت فِي ثناياها قيم سامية، مهدت الأرضية الملائمة لإقامةِ بيئةٍ المواجهة الَّتِي بمقدورِ فعالياتها إزالة جميع مظاهر الظلم والغطرسة والاستبداد؛ إذ لا ريب أَنَّ مجرياتَ معركة عاشوراء سجلت أسمى أمثلة الدفاع عِنْ المبادئ وأعظمها، إلى جانبِ تدوينِ وقائعها أروع صور الشجاعة والفداء والإيثار، وَالَّتِي ما تزال عظمة آثارها وسمو معانيها، تلامس ضمير الإنسانية وتهز وجدانها؛ نتيجة إنسانية أبعادها المتمحورة حول إثارة سعي الشعوب المقهورة صوب التحرر والانْعِتَاق.
حين نستذكر العطاء الخالد لمجرياتِ واقعة الطف الأليمة، وما أفرزته مِنْ رسالةٍ إنسانية نبيلة، ما تَزال فصولها تزهو بقدسيةِ الشهادة، وألق البطولة، والإيمان بعدلِ الباري عزَّ و جلَّ والجهاد في سبيل الحق، حري بنا أنْ نركن إلى الشروعِ بمهمةِ تهذيب نفوسنا وتخليصها مِما لحق بها مِنْ أدران؛ لأجلِ تمكينِها مِن إصلاحِ ما اندرس مِنْ قيمٍ نبيلة، وترميم ما تضرر مِنْ قواعدٍ سامية؛ انسجاماً مع رسالة الإمام الحُسين ( عليه السلام ) الإنسانية الداعية إلى التوحدِ والآخاء والمحبة والتسامح ومحاربة الظلم والفساد والمفسدين، بوصفِها أملاً مرتجى ينشده جميع الخيرين، الَّذين استلهموا مبادئها الداعية إلى تبديدِ الظلام وتحطيم القيود فِي مهمةِ الدفاع عِنْ حقهم فِي العيشِ بسلامٍ وأمان.
إنَّ النهضةَ الحسينية المباركة، كانت ومَا تَزال، وَستبقى إشعاعاتها نبراساً لمَنْ يرفض الاضطهاد والامتهان والاستلاب فِي مختلفِ أرجاءِ المعمورة.
فِي أمَانِ الله.

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.