الإلحاد الجديد .. نظرة الفيزيائيين في معرفة الخالق

خالد جاسم الفرطوسي

الحلقة الثامنة

ما ستقرؤونه في هذه الحلقات والتي ستكون على شكل حلقات هو جزء من معلومات كثيرة قمنا بكتابتها تارة مما استقيناه من كتب عديدة، وأخرى قمنا بنقلها من بعض المصادر باختصار وتهذيب أضفنا إليها ما هو مناسب، فإلى ذلك نسأله تعالى أن يسدد خطانا أنه نعم المولى ونعم النصير..العلم والدين
هناك اعتقاد سائد بين بعض الناس وهو أن اكتشافات العلوم الطبيعية في هذه الأيام تشكل مانعاً قوياً لقبول محتويات الإيمان أي المعتقد الديني بوجود الله القدير المهيمن على جميع مقدرات العالم. وبينما نلحظ أن نمو العلوم الطبيعية والتقنية قد حدث في نفس الوقت الذي جرى فيه تقلص في المعتقدات الدينية – إلا أن ذلك لا يعني أن ازدهار العلوم متوقع على أفول نجم المعتقدات الدينية أو أن هناك تناقضا حقيقيا بين العلم والدين. ونحن نميز هنا بين العلم والنظريات الفلسفية الإلحادية التي تلصق به من قبل بعض الناس. مثلاً يلحظ العالم الفيزيائي وجود تناقض نظري في أحد مواضيع علمه ولكن ذلك لا يشكل أمراً مزعجاً بالنسبة اليه بل انما ينظر اليه كمسألة لم تحل بعد أو أن هناك تناقضا ظاهريا مهما. مثلاً عندما يقوم بدراسة الضوء يجد أنه أحيانا من الملائم النظر اليه – أي إلى الضوء – كظاهرة موجية وأحياناً أخرى من الأحسن النظر إليه كظاهرة ذرية. ولكن بما أن هذا هو غير ممكن من الناحية المنطقية – أي أن يكون الضوء في تكوينه موجي وذري في آن واحد – يلجأ العلماء إلى الافتراض بأن المظاهر الموجية والذرية تشير إلى أمر آخر لم يصلوا بعد إلى تفهمه تفهماً تاماً.
لنأخذ أيضاً نظرية النسبية، يتوجب علينا – حسب تعاليم هذه النظرية – ونحن نجابه حقائق العلوم الفيزيائية والفلكية أن نبدأ بالافتراض بأن كلاً من الفضاء والزمن هما وظائف للأجسام المتحركة. وهنا يجدر بالعالم المنتمي للمدرسة القديمة – أي قبل ظهور نظرية النسبية – أن يجابه مشكلة في النظرية التي ذكرناها.ولذلك قد نسمعه يقول محتجاً: كيف يمكنك الكلام عن الاجسام المتحركة قبل أن تبدأ بالتفكير في الفراغ الذي تتحرك فيه هذه الاجسام ؟ وبعبارة أخرى، أن فكرة الفراغ أي وجود الفراغ هي أهم من الناحية المبدئية من فكرة الاجسام المتحركة. وهذا يعني أن الفراغ يضحي كمبدأ أساسي في أي بحث معقول لطبيعة العالم المادي.وقد نسمع العالم المنتمي للمدرسة الحديثة في علم الفيزياء يرد قائلاً: الزمان والفراغ هما من الأمور المجردة ولذلك يتوجب علينا بأن نفكر بطريقة أكثر واقعية وعملية. ومع أن ما ذكره العالم المنتمي إلى المدرسة الحديثة قد يظهر غير معقول إلا أنه يتحتم علينا أن نفكر حسب نظرية النسبية أن شئنا أن نفهم جميع الحقائق المكتشفة في مضمار العلوم الفيزيائية في أيامنا هذه. طبعاً هذا لا يعني أننا قد وصلنا إلى نظرية لا يمكن أن تبرهن في المستقبل بأنها غير صحيحة أو أنها لا تصف الحقيقة كما يجب، لكن بالنسبة للمستوى العلمي الذي وصلنا اليه في أيامنا هذه نقدر أن نقول أن نظرية النسبية هي عملية ومفيدة.ففي حقل العلوم الطبيعية يستطيع الإنسان أن يبدأ من أية نظرية بشرط أن تكون هذه النظرية أساساً لنظام منطقي وشامل ومثمر في اكتشاف حقائق جديدة وعلى الأرجح يجب أن تكون هكذا نظرية صحيحة من ناحية علم الرياضيات. وعندما نبحث في طبيعة المعرفة العلمية يمكننا أن نعرفها كما يلي أنها معرفة اختبارية منبثقة من صميم الاختبارات العلمية. هذا يعني أن الطرق المستعملة في هذه التجارب يجب أن تتصف بالدقة بحيث أن احتمال حدوث الاخطاء يكون أمراً ضئيلاً للغاية. وهكذا يمكننا الوصول إلى حقائق علمية في أي حقل من حقول العلوم الطبيعية والطرق التي يلجأ اليها في هكذا اختبارات علمية تتعلق بطبيعة الأمور التي يبحث فيها. لكنه لا يجوز لنا أخذ طريقة معينة للبحث العلمي في حقل علمي معين ونستعملها في حقل آخر. بل لكل حقل من العلوم طريقته الخاصة والمثمرة للبحث أو التجربة. وهذا ما يدفعنا إلى رفض النظرية السائدة في أيامنا هذه وهي أن ما يقوم به العلماء في مضمار العلوم الفيزيائية والبيولوجية – أي علم الاحياء بموجب أساليب معينة ومنطقية بالنسبة إلى هذه العلوم يجعلون منهما الدستور الوحيد لأي بحث علمي في أي مضمار ما. هذا وعلى الرغم من التقدم الملموس في حقول العلوم الطبيعية نجد أن مشاكلنا الاساسية واحتياجاتنا الأولية كبشر تبقى في مصاف الأمور التي هي خارجة عن نطاق هذه العلوم. ومن المستحيل لنا كبشر أن نحيا على مستوى الأمور المادية تلك الأمور التي هي ضمن نطاق المعرفة الفيزيائية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.