مــــرافــئ فـــي ذاكـــرة يحيـــى السمـــاوي

17

لطيف عبد سالم

ليس خافياً أنَّ لدراسةَ التَعَلُّم تاريخاً طويلاً بدأ مِنْ تصوراتِ أرسطو وامتد إلى مَا عرف ـ وَمَا يزال مستمراً فِي الظهور ـ فِي عالمِنا مِنْ نظرياتِ التَعَلُّم، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها الرأي القائم عَلَى أنَّ التَعَلُّمَ عملية أساسية فِي الحياة لَا يكاد يخلو مِنْها أي نشاط بشري، إنْ لَمْ تكن جوهره؛ لاعتباراتٍ مَوْضُوعِيَّة تتعلق بمَا يمكن أنْ تحققه هذه الفعالية مِنْ نتائجٍ بوسعِها اكساب الإنْسَان مجمل خبرته الفردية، وَالمُسَاهَمَة فِي تنميةِ مهاراته وَتطوير قدراته الذهنية، إلى جانبِ تمكينه مِنْ مواجهةِ أخطارِ البيئة، وَالَّتِي تقتضي بلا ريب سعي الإنْسَان لتكثيفِ محاولاته الرامية إلى الاستزادةِ مِن التَعَلُّمِ قصد قهر الطبيعة مِنْ حولِه وَبُلوغ السيطرة عَلَيها مِنْ أجلِ تسخيرها، وَهو الأمر الَّذِي ألزم القيادات الإدارية التعامل مَعَ وظيفةِ التَعَلُّم بوصفِها النشاط الَّذِي يمثل الضرورة الأكثر إلحاحاً لإنتاج مَا تباين مِنْ أنماطِ السلوك الَّتِي مِنْ شأنِها المعاونة فِي التسريعِ بمهمةِ النهوض بدورٍ أكبر لبلدانِها بعد أنْ أصبحت عمليةَ التَعَلُّم تُعَدّ أحد الجوانب المهمة مِنْ حياةِ كُلّ فرد وَكُلّ مجتمع مِن المجتمعاتِ الحديثة. وَلا يخامرنا شك فِي توجه الحكومات الساعية لتطويرِ بلدانها إلى ترسيخِ دعائم القاعدة المادية لوظيفةِ التَعَلُّم بإقامةِ المؤسسات الاجْتِماعِيَّة المسؤولة عَنْ إدارتِها وَتوجيهها؛ بغية أنْ تصبحَ بلدانها منتجةً للعلمِ وَالثقافة وَالفنون، بالإضافة إلى تمسكِ إداراتها بوضعِ الآليات الَّتِي مِنْ شأنِها المحافظة عَلَى تلك الثروات بوصفِها مِنْ مقوماتِ الحضارة الإنسانيَّة، وَالَّتِي تفرض عَلَى الإداراتِ الحرصِ عَلَى سلامةِ انتقالها بسلاسةِ عبر الأجيال؛ لأَنَّها تُعَدّ أحد العناصر الأساسية لعمليةِ التَّنْمِيَة، فضلاً عَنْ كونِها بمثابةِ الطَّاقَة الَّتِي تغذي مثابرةَ المجتمع عَلَى التواصلِ مَعَ التطوراتِ العِلْميَّة وَالتِقْنِيَّة الَّتِي تعيشها البَشَريَّة وَالتفاعل مَعَ إفرازاتِها. والمتوجب إدراكه أيضاً هو استحالة تحقق عملية التَعَلُّم بصيغتها المؤثرة إيجاباً فِي مساراتِ عملية البناء الاجْتِمَاعِيّ وَالاقْتِصادِيِّ مِنْ دُونِ الركون إلى التَّخْطِيطِ العِلْمِيّ السليم، مَا يعني إلزام القيادات الإدارية الإبتعاد عَنْ تركِ تلك العملية الحاسمة عرضة لعواملِ المصادفة وَالعَشوائيَّة؛ بالنظرِ لمكانةِ وظيفة التَعَلُّم وَأهميةِ دورها فِي الحياة، وَالَّتِي لَمْ تَعُدّ بحسبِ المتخصصين ترفاً فكرياً، بل أصبحت أولوية مهمة فِي التَّخْطِيطِ الاستراتيجي بعد أنْ أدركتها الإدارات عَلَى اختلافِ مشاربها، وَجهد العلماء والباحثون وَالدارسين مِنْ أجلِ سبر أغوار طبيعتها وإماطة اللثام عَنْ المتطلباتِ المؤثرة فيها ايجاباً وسلباً؛ سعياً فِي محاولةِ الوقوف عَلَى الاستراتيجيات الَّتِي بوسعِ آلياتها تحديد أهداف التَعَلُّم بوضوح وَمهنية عالية تقوم عَلَى أفصلِ طرق الأداء، وهو الأمر الَّذِي أفضى إلى تعدد الرؤى حيال وظيفة التَعَلُّم، حيث نجمت دراسة مظاهرها عَنْ ظهورِ مَا تباين مِن الاتجاهات والتيارات الفكرية، وَالَّتِي تبلورت عَلَى شكل ما يعرف اليوم باسمِ «نظريات التَعَلُّم».
ليس خافياً أنَّ الطينَ الَّذِي برعت يدا الكثير مِن العراقياتِ فِي استخدامِه بمهمةِ صُنعِ مِا يشارُ إليه فِي المناطقِ الريفية باسْمِ «التنور»، لَمْ يكن التعامل معه وليد عصر الحداثة، فصناعة الفخار تُعَدّ مِن النَّشَاطُاتِ البَشَريَّة الموغلة فِي القِدمِ في بلادِنا؛ إذ كان الفخار مِن الحرفِ القديمة الَّتِي شكلت جزءاً مِنْ تراثِ العراق وَحضارته، فضلاً عَنْ أنَّ بعضَ أنواعها مَا تَزال تستخدم إلى يومنا هَذَا عَلَى الرغمِ مِن التطورِ الَّذِي شهدته الصِناعة الحديثة للأواني وَالخزفيات، بالإضافةِ إلى مَا منحته إنجازات العراقيين مِنْ إبداعاتٍ متمازجة مَعَ روحِ العصر فِي الشكلِ والمضمون مِنْ أجلِ إخراج الخزف مِنْ حرفيةِ الموضوع إلى حقولِ الفنون التشكيلية. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ اِنتشارَ الفخار بشكلٍ واسع فِي أرضِ الرافدين كان تعبيراً عَنْ تاريخِ تلك الحضارات وَدرجة رقيها، حيث وجدت شواهد هَذَا الفن فِي أماكنٍ كثيرة مِنْ بلادِنا، فضلاً عَنْ الجميلِ وَالمتقن مِن الأعمالِ الفخارية كالأواني المستخدمة للزينةِ وَالأعمال المنزلية المزينة بالزخارفِ الَّتِي نقشت عَلَى سطحِ الأواني. ولعلّ مِن المناسبِ أنْ نشير هُنَا إلى أنّ دراسةَ عالم الآثار العراقي الدكتور بهنام أبو الصوف الرائدة فِي الخزفِ العراقي القديم ـ الَّتِي تُعَدّ المدخل النظري للتطبيقاتِ العملية والدراسات النظرية اللاحقة ـ كانت نتائجها تؤكد أنَّ أنواعَ فخار الوركاء (الحمراء، الرمادية، وَالسوداء) تُعَدّ بوصفِها أنواعاً لصِناعةٍ واحدة يعود تاريخها إلى أواخرِ عصر العبيد، فضلاً عَنْ أنَّ بعضَها عرفته تقاليد صِناعات الفخار العريقة فِي العراق منذ الألف السادس قبل الميلاد، وأنَّ جميعَ تلك الأنواع «عُملتْ محلياً مِنْ طينةٍ مَحَلِّيَّة، وأحرقتْ بكورِ فخارٍ مَحَلّيّ».
يبدو أَنَّ سرَ تعلق السَماوي بطينِ السَماوة هو بالضرورةِ تعلّق بالطفولة، وَمِنْ ثم بملاعبِ الصبا قبل أنْ يتحول إلى تعلقٍ بالإنسان بعدّه ابن التراب وإليه سيعود، فليسَ مصادفة أَنَّ طينَ السَماوة هو الَّذِي حفظ لنا « ملحمة كلكامش « الَّتِي تُعَدّ أقدم ملحمة عرفها التاريخ الإبداعي الإنساني، وَليس مصادفة أنّ «الطين الحرّيّ» هو الَّذِي جعل البيوت الطينية معشِبة السطوح. وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ مِنْ بَيْنَ الأمثال الَّتِي كان السَماوي يسمعها فِي طفولته، مَـثَـلاً يطلقه قائلوه عَلَى أي شيء يريدون وَصفه بالأصالةِ وَالإباء وَالنقاء فيقولن عَنه: «هَذَا كالطين الحرّي»، وَلَمْ يكن يعرف خصائص الطين الحرّيّ إلا حين شغِفَ باللعبِ به ليصنعَ منه عربات وَخيولا، حتى إذا صارَ صبيّاً، صنع منه هو وَصديق طفولته «جاسم علي هداد/ أبو ثبات» دومينو فخراها فِي نارٍ هادئة، مَعَ العلمِ أنَّ جاسم علي هداد هو الَّذِي عَلمه لعبة الدومينو الَّتِي أدمنها حيناً مِن الدهرِ عندما أرغمته الظروف بعد انكشاف مصيدة الجبهة الوطنية، عَلَى إطعام كتبه إلى النيران؛ خشية أنْ يتخذ منها «زوار نصف الليل» دليلاً عَلَى ارتكابه جريمة قراءة الفكر وَالأدب التقدميين. وَالْمُلْفِتُ أَنَّ طينَ السَماوة جعل الشاعر يعتز به إلى حدِ تجاوزه نجماً يستقر فِي السَماءِ ويضيء كوكبنا وَمِنْ جملته مدينة السَماوة، وَالَّتِي أكاد أجزم أَنَّ فضاءاتها مَا تَزال مظلمة بسببِ إهمال ولاة الأمور.
طينُ «السَـماوةِ» لا نجـمُ السّـماواتِ
يَــشدُّ أمـسي ويـومـي بالـغَــدِ الآتـي
أهـكذا العـشقُ؟ يَـجْـفوني وأتـبَـعـُـه
فـما أصَخْـتُ إلى صـوتِ انـكسـاراتي!
أهـكذا العـشـقُ؟ يا خَـوفي عـلى وطـني
مني ومنه عـلى شـمسـي ومـشـكاتي
مُــشـرَّدٌ وهـممُ الـنـخـلِ أمْـتِـعَــتي
حَـمَـلتـُها وجـراحاتي مَـحَـطـاتـي
هُــويَّــتي؟ غَـجَــريٌّ لا بـــلادَ لـــهُ
إلا ظِـــلالُ بـــلادٍ فــي الـهُــوِيّــاتِ
خطـيئةُ العصر في وجهي مُكـَثـَّفـةٌ:
أنـا ابـنُ دجلةَ.. لكنْ: في السِـجـِلّاتِ
عـشقـتُ دجـلةَ حتى كدتُ ألـعَـنـُهـا
وألعـنُ الـوطـنَ الـمـخـبـوءَ في ذاتـي
نَـخَـلتُ أسْـطـرَ قامـوسي لـعـلَّ بـهـا
مـا قدْ يُـزيـنُ بـأفــراحٍ عــبــاراتــي
وجدتُ لـفظَ (عـراقٍ) في صحـائـفِـهِ
كما الـفـرات.. ولكـنْ: دون (راءاتِ)

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.