الولاية والسلوك‏

ورد عن الإمام السجاد عليه السلام:»اللهم إنك أيّدت دينك في كل أوان بإمام أقمته علماً لعبادك ومناراً في بلادك بعد أن وصلت حبله بحبلك وجعلته الذريعة إلى رضوانك وافترضت طاعته وحذّرت معصيته وأمرت بامتثال أوامره والإنتهاء عند نهيه».
إن الولاية هي قلب السلوك النابض ابتداءاً واستمراراً وانتهاءاً ومن الأسس التي ما نودي بشي‏ء مثلما نودي بها وعلى قطبها يدور قبول الأعمال وبها يصل الأبدال إلى رياض القدس وبالاستقامة عليها نطق الكتاب الكريم كما جاء عن مولانا الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا﴾ سورة الجن، اية 16..قال:يعني:لو استقاموا على ولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام والأوصياء من ولده وقبلوا طاعتهم في أمرهم ونهيهم «لأسقيناهم ماء غدق» يقول: «لأشربنا قلوبهم الإيمان».
فلما كانت معرفة اللّه الغاية القصوى من السلوك ولا يمكن بلوغها دون معرفة الولي حتى ورد في ذلك أنها نفسها كما روي أنه خرج سيد الشهداء عليه السلام على أصحابه فقال: «أيها الناس إن اللَّه عزّ و جلّ ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه فإذا عرفوه عبدوه فإن عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه»، فقال له رجل: يا بن رسول اللَّه بأبي أنت وأمي فما معرفة اللَّه قال عليه السلام: «معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته» يتضح أن السالك دونها ضال وإن بلغ من المجاهدات ما بلغ حيث يقول الباقر عليه السلام: «كل من دان اللَّه بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له فسعيه غير مقبول وهو ضال متحيّر واللَّه شانى‏ء لأعماله».وفي الزيارة الجامعة:(من والاكم فقد والى اللَّه ومن عاداكم فقد عادى اللَّه.. أنتم الصراط الأقوم)..إن ذلك غير ممكن بحال من الأحوال ضرورة أن الولاية هي قلب السلوك وروحه وقد أعطيت للفقيه الجامع للشرائط المتصدي لقيادة الأمة في زمن الغيبة فكل ما تقدم هو جارٍ هنا حيث لا يمكن ايجاد مبرر للخروج عن حريم طاعته وإنما ذلك هو تمرّد ولجوء إلى الذات وليس تسليماً للحق سبحانه بل استخفاف بحكمه الصريح ويكون الرادّ على حكم الولي راداً على حكم الأئمة وراداً على حكم النبي صلى الله عليه وآله وبالتالي على اللَّه تعالى وهذا هو حدّ الكفر كما جاء عن الصادق عليه السلام: «فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم اللَّه وعلينا ردّ، والراد علينا راد على اللَّه وهو على حد الشرك باللَّه».
أن الأستاذ هو العلم والمعلم وساطة فلا حاجة إلى مرافقته ومراقبته وإنما يكفي العمل بالمعلومات كما ورد: «من عمل بما علم ورّثه اللَّه علم ما لا يعلم» ويمكن تأييد هذا الرأي بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾..والصحيح أن الإنسان لا بد له من قدوة وهو ليس إلا الولي العام الذي أمرنا أهل البيت عليهم السلام بالرجوع إليه والأخذ منه في زمن الغيبة مضافاً إلى ما جاء عموماً: «هلك من ليس له حكيم يرشده»، فالمرشد ضرورة لا غنى عنها وإلا فالسبيل هو الضلال «ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله»ومما يشهد له ما عن النبي صلى الله عليه وآله: «إن أئمتكم قادتكم إلى اللَّه فانظروا بمن تقتدون في دينكم وصلاتكم».
وفي زمن غيبة المعصوم عليه السلام إن الذين أوكلت إليهم مهمة حراسة الشريعة والأخذ بأيدي أيتام آل محمد هم المراجع وعلى رأسهم الولي الفقيه فلا تستقيم أمور الدنيا ولا تستقيم أمور الدين إلا بالولي الفقيه الذي يمثل في زمن الغيبة ربان السفينة التي يلجأ إليها ضعفاء المسلمين.
فالحاصل أن تجاهل الاقتداء بالولي المرشد في سائر أمور الدين وشؤون المسلمين لا يتفق أبداً مع طبيعة الإنقياد والخضوع للأمر الإلهي ويكون مبعداً عن ساحة القرب إليه تعالى وإن اشتغل الإنسان بفنون الأذكار والدعوات لأنه لم يسلك الطريق التي كان عليه سلوكها.
خلاصة ذلك أن الولاية بقسميها أصالة ووكالة هي روح السلوك وقلبه النابض،وإن طاعة الولي هي فوق البرامج السلوكية الخاصة وتعتبر ميزاناً لها،ولا يصح السلوك دون اتخاذ القدوة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.