الغيب في القرآن الكريم

لوْلا الأجل الّذِي كتب اللهُ عليْهِمُ لمْ تسْتقِرّ أرْواحُهُمْ فِي أجْسادِهِمْ طرْفة عيْن، شوْقا إِلى الثّوابِ، وخوْفا مِن الْعِقابِ..عظُم الْخالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فصغُر ما دُونهُ فِي أعْيُنِهِمْ فهُمْ والْجنّةُ كمنْ قدْ رآها، فهُمْ فِيها مُنعّمُون، وهُمْ والنّارُ كمنْ قدْ رآها، فهُمْ فِيها مُعذّبُون..يجد الباحثُ لدى مراجعته لكتب اللغة أن الغيْب يُطْلقُ على كُلِّ ما غاب عن الحواس وكان مستورا ومحجوبا عنها..وقد ورد في العديد من الآيات القرآنية ضِد الشهود والحضور، وقد تكرر استعمال لفظ «الغيب» وبعض مشتقاته في القرآن الكريم أربعا وخمسين مرة بالمعنى المذكور، ومن تلك الآيات قوله تعالى: «…عالِمُ الْغيْبِ والشّهادةِ وهو الْحكِيمُ الْخبِيرُ»،ومن الملاحظ أن أول صفة وردت في القرآن الكريم تصف المتقين هي الإيمان بالغيب «ذلِك الْكِتابُ لا ريْب فِيهِ هُدى لِلْمُتّقِين* الّذِين يُؤْمِنُون بِالْغيْبِ ويُقِيمُون الصّلاة ومِمّا رزقْناهُمْ يُنْفِقُون»، ولعل السبب في ذلك أن الإيمان بالغيب هو أصل كل اعتقاد وأساس كل عمل. عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام: «الذين يؤمنون بالغيب يعني ما غاب عن حواسهم من الأمور التي يلزمهم الإيمان بها كالبعث والنشور والحساب والجنة والنار وتوحيد الله تعالى وسائر ما لا يعرف بالمشاهدة وإنما يعرف بدلائل قد نصبها الله تعالى دلائل عليها». إن الإيمان بالغيب من الخصائص المميزة للإنسان عن غيره من الكائنات. ذلك أن الحيوان يشترك مع الإنسان في إدراك المحسوس، أما الغيب فإن الإنسان وحده المؤهل للإيمان به بخلاف الحيوان. لذا كان الإيمان بالغيب ركيزة أساسية من ركائز الإيمان في الديانات السماوية كلها. فقد جاءت الشرائع بكثير من الأمور الغيبية التي لا سبيل للإنسان إلى العلم بها، أويصعب عليه اكتشافها ومعرفتها إلا بطريق الوحي الثابت في الكتاب والسنة كالحديث عن صفات الله تعالى وأفعاله وعن السماوات السبع وما فيهن وعن الملائكة والنبيين والجنة والنار والشياطين والجن وغير ذلك من الحقائق الإيمانية الغيبية. لا بد من التوقف عند نقطة هامة وهي أن الدين عندما يركّز على مسألة الإيمان بالغيب ووجود جانب روحي يرعى الإنسان، لا يلغي مبدأ أساسيا في الحياة وهو أن هذه الحياة تخضع في مظاهرها لقوانين طبيعية أودعها الله تعالى في الكون، ولذلك تدعوالآيات الكريمة والروايات الشريفة إلى التماس الأسباب الطبيعية المؤدية إلى النتائج المرجوّة، كالسعي لتحصيل الرزق، والتداوي لرفع الأمراض، «وأنْ ليْس لِلْإِنْسانِ إِلّا ما سعى»،وهو في الوقت الذي يؤكد فيه أن النصر من عنده تعالى، يكلف الإنسان بتجهيز أسبابه الطبيعية «وأعِدُّوا لهُمْ ما اسْتطعْتُمْ مِنْ قُوّةٍ ومِنْ رِباطِ الْخيْلِ تُرْهِبُون بِهِ عدُوّ اللّهِ وعدُوّكُمْ»..نعم إنما تؤدي الأسباب الطبيعية دورها بإذن الله تعالى، فهو الرزّاق وهو الشافي…، فلا بد من التوكل عليه لتحصيل النتائج المرجوة. قد يدرك العقل حقيقة معينة من خلال الاستدلال، ولكن يمكن أن يبقى هذا الإدراك مجرد مسألة علمية يظهرها الإنسان ويتحدث بمضمونها عندما تدعوالحاجة، وهذا المستوى من الإدراك غير كافي، وعلينا أن نحوله إلى إيمان حقيقي من خلال الإذعان والاطمئنان القلبي والنفسي، وهذا ما يولّد الإيمان الحقيقي، ويصبح الإنسان فيه مطمئنا بعيدا عن الشك والريب كما تعبر الآية الكريمة، فالمؤمن من آمن قلبه وتيقن. وطالما لم يبلغ اليقين فإن نقطة الجهل والشك قائمة..ويقول الإمام الخميني قدس سره في كلام له حول درجات الإيمان:»ثمة فرق كبير بين الإيمان القلبي والإدراك العقلي، فكثير من الأمور التي يدركها الإنسان بعقله ويبرهن عليها قد لا تبلغ درجة الإيمان القلبي وكماله المتمثل في الاطمئنان، وذلك عندما لا يذعن القلب بما أدركه العقل».

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.