ثورة المعلومات .. تزييف الواقع وتضاؤل الارادة

مرتضى معاش
تتنوع الآثار السلبية للثورة المعلوماتية بتنوع أدواتها واختلاف أهدافها ولكنها تسير كلها في إطار واحد وهو تأسيس بناء حضاري زائف يعتمد على وجود المظاهر والقشور مع إفراغ الجوهر الحقيقي للإنسان روحا وعقلا وأخلاقا. فمن المفترض أن يكون دور المعلومات هو إيصالها للفرد لتنمية معارفه وتطوير حياته تطوراً متناسقاً ومتكاملاً، لكن ما يحدث في ضمن هذه الظاهرة أن المعلوماتية تحولت إلى سوق تجاري يهدف الى بيع اللهو والمتعة والرفاهية والفساد للناس، وان كان ذلك يؤدي إلى تزييف الواقع وجعل الوهم واقعا ورسم عالم خيالي يخوض فيه الناس أحلامهم ومتعهم وهم ينتشون بمتعة التخدير والهروب من الواقع. ومع انتشار ما يسمى بالواقع الافتراضي Virtual Reality أي واقع هو من صنع الخيال ولا أساس لوجوده في الواقع الحقيقي فبوسع المنتفعين بهذه الثورة أن يتلاعبوا مع الصور وبالتالي مع الحقائق وان يصطنعوا صورا للواقع لا وجود لها مما يمكنهم التلاعب بمقدرات عالم المهمشين الأميين الملفوظين من عالم ثورة المعلومات. وعندما يتحول العلم إلى مجرد سوق يهدف إلى الربح فقط فانه يصبح خطراً على البشر لأنه يستخدم العلم لتضليل العلم بأية صورة كانت، إذ تهدف طبقة الواحد بالمائة من سكان العالم التي تمسك بمقاليد الأموال والإعلام إلى تسويق وبيع كل شيء بدءا من السلع ومرورا بالأشخاص وانتهاءً بالأفكار، إنها تخلق المفاهيم وترسم الصور وتسمى صانعة التماثيل والصور، ويجري بيع أشباه المنتجات وليس المنتجات الحقيقية للناس وصوراً للأفكار والتشريعات وليس التشريعات الحقيقية منها وكذلك أشباه السياسيين وليس الأشخاص الحقيقيين لهؤلاء السياسيين. وهم لم يتوقفوا عند تسويق المتعة واللذة بل دخلوا إلى أفكار ونفوس البشر لخلق أوهام وقيم تتناسب ومنافعهم، فالخطر الكامن في العولمة هو في قوة وسائلها وتأثيرها في الأجيال الناشئة منذ نعومة أظفارهم واعتمادهم على أقوى طرق التأثير الفنية في الحركة والصوت والصورة لدرجة حولت أبطال الأفلام الأمريكية ولاعبي الكرة والتنس وعارضات الأزياء إلى رموز وأبطال الجيل الناشئ الذين اعتبروا هذه المظاهر هي الحضارة والتطور وطريق النجاح. وبهذا يرسم لنا تجار المعلوماتية الواقع الوهمي الذي يسير عليه أبناؤنا وينهلون من نبعه الفاسد أفكارهم وقيمهم الأخلاقية والسلوكية فهل تستطيع الأمة يوما ما في القريب أن تمتلك أصالتها وتؤسس نهضتها أم أنها ستصبح مجرد جزء من ذلك القطيع الالكتروني الذي يدجنه ملوك الغرب..؟! لا شك أن هذا يعتمد على مدى وعينا وفهمنا للمتغيرات القادمة علينا. استبداد معلوماتي ودكتاتورية جديدة مع تزايد وتيرة نمو المعلوماتية وتقدم أدواتها التكنولوجية يعتقد البعض أن العالم سيصبح أكثر ديمقراطية وان الاستبداد في طريقه للانحسار، وهذا ما يبشرون به من أحلام العولمة والاندماج العالمي. ولكن ما تفرزه العولمة من سلبيات وما تشكله من مظاهر يتجه الاعتقاد الأساسي إلى إن المعلوماتية ما هي إلا وسيلة لترسيخ الاستبداد والدكتاتورية ولكن على نحو عالمي وشمولي يقضي على أشكال التنوع والتعدد واستحالة المنافسة مع بقاء التنافس منحصرا في يد قلة قليلة من ملوك المال والإعلام والمعلومات. وتشير الأرقام إلى أن اندماج الشركات الكبرى وتكتلها يزداد يوما بعد يوم إلى الاحتكار المطلق للإعلام والمعلومات حيث بدأ عدد الشركات المسيطرة على الإعلام في الولايات المتحدة بالانكماش من 50 شركة عام 1984 إلى 26 شركة 1987 ثم إلى 23 شركة 1990، وواصل تراجعه إلى نحو 20 شركة عام 1993 وما إن حلت سنة 1996 حتى استقر العدد على عشر شركات منها: تايم وارنر، ديزني، جنرال الكتريك… وهذا يقودنا إلى الاستنتاج إلى أن العالم يتجه إلى مزيد من السيطرة المطلقة للأقلية المستبدة التي تتحكم بقرارات العالم الإعلامية والسياسية والاقتصادية حيث تتحكم بمصادر المعلومات من إنتاجها وصناعتها وتسويقها، فسواء رجع حرمان الجماهير من حقها المشروع في التعامل مع صناع القرار إلى الاستبداد بالحكم أو الأساليب الملتوية للبيروقراطية أو نتيجة للتعقيد التكنولوجي فان الانحسار الناتج في العملية الديمقراطية واحد وهو حرمان الناس من اخذ القرار وتزايد القيود بشكل متزايد. لقد وصل تحكم ملوك المعلومات في سياسات العالم إلى حد صناعة الحروب وإسقاط الحكومات ونشر الفوضى في العالم حيث بلغت سطوتهم إلى حد انتخاب بوريس يلتسين في رئاسة روسيا والحال انه لم يمتلك قبل ستة أشهر من ذلك إلا ستة في المائة من تأييد الجمهور على أدائه العام. إن المعلوماتية هي وسيلة بيد استعمار السوق للهيمنة على الثقافة وتصنيع الإيديولوجيا التي باتت تحملها نخبة كونية متجانسة تسعى إلى تنميط العادات والثقافات وطرائق العيش على نمط واحد تختزل الحريات إلى حرية التعبير التجاري وحقوق المواطن إلى حق التمتع بسيادة المستهلك وتعميم التوهم بان الوضع القائم هو سقف التطلع الإنساني ولم يعد هناك سوى خيار الرأسمالية القائمة. قد لا تكون هناك دكتاتورية واضحة ولكن يوما بعد يوم تتضاءل خيارات الفرد في الاختيار ويصبح عليه السير في اتجاه واحد فرضته عليه القوانين التي وضعها ملوك المعلومات في إطار لعبتهم الالكترونية باعتبارهم يحتكرون كل وسائل إنتاجها ومواردها، وتحكمهم في بناء نظام القيم والتفكير التي ترسم سلوك الفرد وشخصيته، فما يحتكرونه ليس البيانات نفسها بل اسلوب التفكير المعتمد والمقرر والمكرس رسميا أي تعريف أي شيء يكون معقولا أو مقبولا. وإذا كان الهدف من كل ذلك هو اقتصادي فان تبريراتهم تتجه لتكثير الزبائن المستهلكين لمنتجاتهم وتحقق ذلك لهم عبر امتلاك واحتكار أدوات الثقافة والإعلام فحكموا سيطرتهم على كل نواحي الحياة ومسخوا العقول وغسلوها بقيمهم المادية التي تعتمد على السلوك الإباحي المطلق واللذة المنفتحة دون وضع أي اعتبار للقيم الإنسانية والأخلاقية والدينية، وهذه الأحادية التي يفرضونها بوسائلهم القمعية غير المباشرة تسحق الثقافات الأخرى وترفض التعددية فهي تعاقب كل من لا يخضع لقوانين السوق حتى لو أنتجت فقراً وبطالة وهوة ساحقة بين الطبقات، وما كان يسمى بالأنظمة التوتاليتارية ذات الحزب الواحد حل محلها اقتصاد توتاليتاري في عصر العولمة المرتكز على فكر احادي. ويرى تشومسكي إن عولمة الإعلام هي التركيز في ملكية وسائل الإعلام الدولية وانخفاض التنوع والمعلومات مقابل الزيادة في التوجه للمعلن، فالعولمة هي التوسع في التعدي على القوميات من خلال شركات عملاقة شاملة ومستبدة يحركها أولا الاهتمام بالربح وتشكيل الجمهور وفق نمط خاص حيث يدمن الجمهور اسلوب حياة قائما على حاجات مصطنعة مع تجزئة الجمهور وفصل كل فرد عن الآخرين حيث لا يدخل الجمهور الساحة السياسية ويزعج أو يهدد نظام القوى أو السيطرة في المجتمع. من المفترض أن تساهم الثورة المعلوماتية في بناء الفكر الإنساني وتطوره الحضاري العام ولكن اتخاذها اتجاها سلبيا في تحقيق مآربها وضع هذه الثورة في طريق تهديد الوجود الإنساني الحقيقي وتحوله إلى مجرد وجود هامشي يعيش فارغا لا يفكر ولا يقرر ولا يشارك ولا يتعاون، انه مجرد حيوان يأكل ويشرب ويلبس ما توجه نحوه وسائل المعلوماتية. كل هذا لا شك انه سيقود إلى ترسيخ حالات ضحالة الفكر وتسفيه العقل وسلوك التفاهات في عالم سوف تزداد فيه الفوضى والعنف والفساد بعد زمن قد لا يرى فيه العالم القيم الأخلاقية لمدة طويلة. ويقول ريتشارد نيكسون في التعبير عن ذلك بشكل آخر: من السمات الأساسية لأسلوبنا في الحياة إيماننا بأنه عندما يعمد الحكام إلى الاستئثار المنظم بالمعلومات التي هي حق خالص لجمهور الشعب فان أفراد الشعب سرعان ما يصبحون في وضع يجهلون معه كل ما يتعلق بشؤونهم الخاصة كما سيفقدون الثقة في هؤلاء الذين يسيرون أمورهم وسيفتقرون في نهاية الأمر إلى القدرة على تحديد مصائرهم الخاصة. وكلما زادت فورة المعلوماتية ازداد العالم قربا إلى بعضه ولكنه يزداد عزلة وغربة، وكلما يتصور انه عندما ينال المعلومات الوفيرة يزداد حرية يحس بالاختناق وان القوانين والقيود والعيون الإلكترونية تلاحقه عبر الأقمار الصناعية والهاتف والكومبيوتر حتى اصبح لا يملك أي إحساس بتفرده واستقلاليته الشخصية. وفي الوقت الذي أزالت فيه الثورة التكنولوجية الجديدة العقبات أمام حرية انتقال المعلومات زادت القيود والعقبات أمام انتقال الأفراد في ظل القوانين المتشددة في مسائل الجنسية واقامة الأجانب وهكذا فإننا نعيش في عالم أكثر تقاربا وتداخلا في تعامله مع البضائع والأموال والمعلومات لكنه أكثر تباعدا عندما يتعلق الأمر بانتقال البشر.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.