إنقسام سياسي و تحذيرات من صعود الفاشية إلى سدة الحكم في أميركا

تمر أميركا بحالة استقطاب «غير مسبوقة منذ عدة عقود» بمطالبة الحزبين مؤيديهما من الناخبين بأوسع مشاركة في جولة الانتخابات التشريعية (النصفية) وبعض مناصب حكام الولايات: الحزب الجمهوري أرخى العنان للرئيس ترامب للمشاركة في الحملات الانتخابية مطلقاً وعوده وتهديداته في اتجاهات متعددة، والحزب الديموقراطي لا يزال خطابه حبيس هواجسه العدائية لروسيا علّها تنقذ إخفاقاته السياسية في التصدي الفاعل لسياسات الرئيس ترامب. أما جمهور الناخبين فيمضي لحشد وتنظيم معارضته للسياسات الإقصائية متوعداً بمعاقبة قاسية للطبقة الحاكمة في صناديق الاقتراع. يبدو أن الجمهور الأميركي، بشكل عام، أرسل رسالة مدوية لصناع القرار حول حقيقة الخطر والتهديد القائم، وضاق ذرعاً بعد تعرض زبائن مطعم محلي في فلوريدا لحادث اطلاق نار دون مقدمات. وكشفت يومية بوليتيكو، وهي نشرة محسوبة على تيار يمين الوسط الأميركي، عن نتائج استطلاع رأي فور وقوع الحادثة المشار اليها جاء فيه أن «58% من الناخبين عدّوا ما جرى بأنه عنف سياسي،» توزعت النسبة على ذوي الميول للحزبين الديموقراطي والجمهوري، وحمّلت أغلبية من الناخبين «56% منهم المسؤولية للرئيس ترامب،» لاستنهاضه خطاب العداء والإقصاء وانقسام المجتمع وخرق الاتفاقيات الدولية مما عاد بالعزلة على الولايات المتحدة.النائبة عن الحزب الديموقراطي، ماكسين ووترز، التي كانت أحد أهداف الطرود المتفجرة، حفزت جمهور مؤيديها على «مواجهة أي مسؤول من الإدارة قد يرتاد مطعماً أو متجراً أو محطة وقود، ومحاصرته بحلقة من مؤيدين يوجدون في المكان وإبلاغه رسالة مفادها أنه غير مرحب به في اي مكان بعد الآن.» أما الرئيس ترامب فقد أشاد بتوجيه نائب عن الحزب الجمهوري لكمة مباشرة لصحافي عادّاً التصرف نموذجاً «يمثلني.»المؤسسة الإعلامية الأكبر، وهي شبكة سي أن أن للتلفزة، التي يكن لها الرئيس ترامب عداءاً يردده في كل مناسبة ومن دون مناسبة، علقت في أحدى نشراتها الإخبارية على أحداث العنف السياسي بالقول إن «الرجل الأبيض» المدجج بالسلاح يشكل أكبر تهديد إرهابي على الولايات المتحدة، ووجهت النقد للجهات الرسمية لعدم «فرضها حظراً على الرجل الأبيض» المسلح.ومن جانبهم حمل رجالات المؤسسة الأمنية الأميركية مسؤولية التدهور الأمني لخطاب الرئيس ترامب الشعبوي والمفرط في السطحية. وفي السياق ذاته استضاف معهد الأمن القومي التابع لكلية الحقوق في جامعة جورج مايسون، بضواحي العاصمة واشنطن، جلسة حوارية مطلع الشهر الجاري حول «التهديدات والتحديات أمام المؤسسات الديموقراطية،» شارك فيها المدير السابق للاستخبارات الوطنية، جيمس كلابر، ومدير السي آي ايه الأسبق، مايكل هايدن.
كلابر كأن أحد أهداف الطرود المتفجرة.كلابر حمل الرئيس ترامب المسؤولية المباشرة عن تنامي أحداث العنف «نظراً لأن مفردات خطابه لها دور مباشر في تجسيد نزعة التطرف .. وهي ليست بعيدة عما خبرته في التعامل مع تنظيمات مشابهة كداعش، الذي أتقن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتجنيد عناصره،» في إشارة واضحة لمواقع التواصل التي تروج للخطاب العنصري والشعارات النازية في الداخل الأميركي.وأضاف ساخراً من الرئيس ترامب «..استمرار العبقري المتزن في استنهاض نزعات من شأنها تأييد هذا النمط من التصرف، تقود إلى أننا مقبلون على تلقي مزيد من ذلك، وانا مقتنع بما أقول».هايدن في مداخلته شاطر زميله كلابر واستنتاجاته التي ذهب إليها في «.. تطابق مطالب المتشددين مع خطاب ينسجه رئيس الولايات المتحدة.»واصدرت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، مادلين اولبرايت، كتاباً منتصف الصيف الماضي بعنوان مثير ومباشر الفاشية: تحذير، باللغتين الانكليزية والألمانية في وقت واحد، استعرضت فيه مراحل صعود الظاهرة وأفولها في اوروبا في القرن العشرين، كتيار سياسي مؤثر يتمتع بدعم شعبي داخل عدد من الدول الغربية بما فيها «بريطانيا والولايات المتحدة نفسها؛» محذرة من عودة الحركة الفاشية لسابق عهدها، وأنه «.. ليس هناك ما يمنع تدحرج الأمور مجدداً إلى تلك الهوة المظلمة.» ووصفت الرئيس ترامب وما يمثله بأنه «أول رئيس معادٍ للديموقراطية في التاريخ الأميركي بأكمله.»تحذيرات اولبرايت وآخرين لها ما يدعمها من وقائع حية في مجمل الدول الغربية أبرزها «الانقسامات وحالات الاستقطاب .. وتفاوت الفرص والمنافع الاقتصادية دون أفق لتقليصها حتى على المدى المتوسط.» وشددت في تحذيرها على صعود «السياسيين الشعبويين إلى مواقع السلطة» وخطابهم المؤثر «عبر التلاعب والخداع» وتوجيه الأنظار نحو «عدو متخيل» دون التقدم بحلول حقيقية للأزمات البنيوية.
لهجة التحذير المشار إليها أخذت بعين الاعتبار صعود رمز «ومبشر الفاشية» في الإدارة الأميركية، ستيف بانون، الذي احتفظ بلقب «مستشار رئاسي للشؤون الاستراتيجية؛» ومضى لنشر افكاره في أوروبا، بعد اعفائه من منصبه في البيت الأبيض، عبر مؤسسة سياسية وفكرية، أسماها «الحركة،» ترمي لإطلاق ثورة شعبوية يمينية حاضنتها الاحزاب اليمينية الراديكالية، لتشجيع اليمين المتطرف في اوروبا الوصول إلى مراكز السلطة، كانت أولى ثمارها صعود رئيس وزراء يميني في ايطاليا، جوزيبي كونتي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.