روح وريحان

قد تختلف دوافع كلّ إنسان في طلبه ودراسته للعلوم الإسلاميّة، فذا يرغب في الردّ على الفرق المخالفة، وذاك يرى في العلم غذاءً لروحه وعقله، لِما يحويه الدين الإسلاميّ من استدلالات وبراهين يمكن أن تُسكِّن نفسه الحائرة في هذا العالم، وثالث يرى في المعارف الدينيّة منهلاً لمعرفة أسرار هذا الوجود وخفاياه. ولكن يبقى الجامع المشترك بين هؤلاء أنّ جميعهم يبحث عن الحقيقة في هذه الدنيا، هذه الحقيقة التي تكون عاملاً حاسماً ومهمّاً في قرب الإنسان من الله، والتي ستورثه الرَوْح والراحة في الدنيا قبل الآخرة، طبقاً للقاعدة القرآنيّة: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾. وأهمّيّة المعرفة الصحيحة تكمن في أنّ سلوك الإنسان في الحياة والسبيل العمليّ الذي ينتهجه في هذا العالم، إنّما هو حصيلة التصوّر الذي يحمله في ذهنه حول الأشياء، فالسلوك الإنسانيّ هو وليد ما تكوّن لديه من معرفة، وما يستتبّ له لاحقاً من اعتقاد، وما يلازمه بعد ذلك من خصائص وخصال نفسيّة وأخلاقيّة ترسم لهذا الإنسان شيئاً فشيئاً صورته الإنسانيّة التي هو عليها واقعاً. من هنا، كانت إحدى أهمّ مظاهر عظمة الإسلام أنّه دعا الذي يودّون أن يتمسّكوا به ويعتنقوه، من أجل القرب من الله والنجاة، إلى أن يحصّلوا المعرفة الصحيحة بتعاليم الدين الحنيف، معتمدين بذلك على المنطق والعقل ومتسلّحين بالدليل والبرهان، بعيداً عن الاسقاطات المعرفيّة والموروثات الثقافيّة والقناعات المسبقة، بل على كلّ طالبِ هداية وباحثٍ بجدٍّ ونشاط عن الحقيقة أن يدع تقليد الآباء والأجداد جانباً، وينطلق في رحلة معرفيّة شيّقة من أجل سبر أغوار العلوم الإسلاميّة، لِما تحويه من كنوز وجواهر علميّة ومعرفيّة أشدّ ما يكون الإنسان بحاجة إليها عند اشتداد وطيس ابتلاءاته الدنيويّة، وعند اشتداد ملامح عودته إلى ربّه، وبدء رحلته المعنويّة وارتباطه الوجوديّ بالله تعالى من جديد، ليصبح العِلم أنيسه في هذا العالم الموحش الأطراف. إنّ كلّ تعاليم الإسلام الأخلاقيّة والعقائديّة والشرعيّة وغيرها، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهدف كبير وعظيم، هو صناعة الإنسان المؤمن بالله، لِما للإيمان من مدخليّة ضروريّة لارتباط المخلوق بالخالق، وهذه الصناعة متوقّفة على المعرفة بالمبدأ والمعاد وما بينهما من أصول ومعارف. وهدف هذا الكتاب «روح وريحان» يقدّم صورةً أوّليّة وضروريّة لمعارف هذا الدين الحنيف، بطريقة تجمع بين سهولة اللغة والبيان والخالية من المصطلحات المعقّدة، والغنيّة في آنٍ بالأدلّة والبراهين الأوّليّة، والتي تصلح لأن تكون مرتكزاً للانطلاقٍ نحو فضاءات أوسع من العلم والمعرفة مع مرور الوقت وتقدّم الزّمن.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.