الإنسحابــات الأميركيــة من المنطقــة … جعجعــة من دون طحيــن !

قال مسؤولون أمريكيون، منذ ثلاثة أسابيع تقريباً، بحسب ما نقلت وكالة «رويترز»، إن إدارة «ترامب» تبحث سحب أعدادٍ كبيرة، ربما بالآلاف من قواتها العاملة في أفغانستان، وإذا تأكد هذا فإن أعداد القوات ستنخفض من مستواها الحالي والذي يبلغ أربعة عشر ألفًا، في خطوة تأتي بعد قرار «ترامب» بأن القوات الأمريكية ستنسحب من سوريا.وفيما قال متحدث باسم البيت الأبيض: إن «ترامب» لم يصدر أوامر إلى البنتاغون بسحب القوات من أفغانستان؛ الا أن الإدارة الاميركية لم تنكر التقارير التي تفيد بأن الولايات المتحدة تخطط لسحب ما يقرب من نصف القوة المنتشرة حاليًّا في أفغانستان.تأتي هذه التقارير في وقت تتكثف فيه التحركات نحو «مفاوضات السلام» حول أفغانستان، إذ التقى المبعوث الأمريكي الخاص «زلماي خليل زادة»، بممثلي طالبان الشهر الماضي، وناقش القضايا المتعلقة بانسحاب القوات الاميركية في المستقبل وكذلك مقترحات وقف إطلاق النار.من المعلوم أن «طالبان» تصر على التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، في موقف هو أشبه بتحميل واشنطن المسؤولية عما يجري في افغانستان، وأن الحكومة المحلية هناك لا تستطيع أن تقدم أو تؤخر شيئا من دون الامريكي، لذلك فضلت التفاوض معه مباشرة من جهة، ومن جهة اخرى تصر على عدم التفاوض مع الحكومة بدعوى عدم شرعيتها من جهة ثانية.التقارير عن احتمال تخفيف واشنطن لوجودها العسكري الى النصف تمهيداً لانسحاب كلي من افغانستان، تتزامن مع اطلاق ترامب تصريحاته عن سوريا؛ ورغم أن تصريحات الانسحاب من سوريا بدت في المرحلة الأولى جازمة، ووُضع لها جدول زمني بحدود السبعين يوما، وأدت الى جملة استقالات واستنكارات، الا أن واشنطن عادت لتتحدث عن عدم وجود جدول زمني محدد لهذا الانسحاب وربطته بتطور الاتفاق مع تركيا حول طريقة التعامل مع الكرد.ويبدو أن مناورة الكرد في الانسحاب من منبج وتسليمها للجيش السوري (وهي مدينة كانت ستسقط بيد التركي عاجلاً أم آجلاً وتقع غرب الفرات لا شرقه)، قد أعطت مفعولها في كبح الانسحاب الاميركي دون مراعاة مصالح الكرد الذين أعطوا واشنطن الكثير.تصريحات واشنطن حول انسحاب محتمل من سوريا لم يكن الأول، فقد سبق لواشنطن أن أعلنت عن ذلك منذ أشهر. ثم عادت هذه التصريحات لتخبو.من المؤكد أن واشنطن تفكر جدياً بإعادة انتشار قواتها في المنطقة، سواء عبر الانسحابات، أم اعادة التموضع وتخفيف حجم القوات، الا أن من المؤكد ايضاً أن أي انسحاب أميركي لن يكون من دون أثمان، ويبدو أن واشنطن تقوم بدراسة الاثمان من جهة، ودراسة البدائل من جهة أخرى.ففي سوريا، كانت «القوات العربية» أحد البدائل، لكن يبدو أن هذا الخيار استبعد (حالياً) لعدم انسجامها مع التوجه الجديد في الانفتاح على سوريا ديبلوماسياً، وإعادة ترميم العلاقة معها، فيما يبدو أن الخيار التركي أكثر ملاءمة امريكياً شريطة حفظ «المنجزات» الاميركية مع الكرد.أما في افغانستان، فإن المفاوضات الأميركية مع «طالبان» تحتل أهمية قصوى، نظراً لتداخل هذا الملف مع الملفين الايراني والروسي، حيث الحدود الكبيرة لهاتين الدولتين مع أفغانستان، ما يدفع واشنطن لمحاولة إحداث اختراق كبير في العلاقة مع «طالبان».إن التصريحات الأميركية المتكررة والمتنوعة عن انسحابات من أفغانستان وسوريا تبقى، الى اليوم، جعجعة من غير طحين، تهدف لإحداث بلبلة في العلاقات بين الدول المعنية بهذين الملفين (الافغاني والسوري)، بانتظار تبلور الاتصالات مع البدائل، فإما أن تؤدي الى انسحاب فعلي، وإما تأجيل الانسحاب أو تعليقه، لأسباب لن تعجز الإدارة الأميركية عن الإتيان بها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.