ساعات «سلفادور دالي»

حسن السلمان

عن طريق الصدفة، جلس ثلاثة محاربين قدامى في مقهى. كل محارب على تخت. كانوا هرمين جداً كما لو أن واحدهم عمّر مئة عام.. وجوه كما لو أنها ساعات «سلفادور دالي» المائعة المتدلية التي تشبه عجينة على وشك السقوط، بأخاديد وتجاويف وتجاعيد عميقة. فوق جماجمهم الخاوية، ثمة خصلات شعرٍ باهت لا لون له.منذ أن انتهت الحرب، ومضى كلُ واحدٍ في طريق، وهم لم يلتقوا مرة واحدة. الآن كل واحد منهم يجلس على تخت. بدافع الفضول الذي ينتاب الناس الذين لم يعد يشغلهم شاغل بعد أن قطعوا مشواراً طويلاً عاصفاً بالحياة سوى الفُرجة، نظر بعضهم إلى بعض، وبصعوبة، ما بين الشك واليقين، تعرف احدهم على الآخر. بحرارة من عثر على شيء غالٍ على قلبه بعد بحثٍ مضنٍ طويل، تصافحوا وتعانقوا. جلسوا على تخت واحد وانفتحت بوابة الذكريات..على رنين دوران ملاعق الشاي، وتساقط خرز المسابح، ودخان السجائر، راح كل محارب يعتصر ذاكرته ليتذكر حدثاً مميزاً. كان كل محارب يحاول أن يتسبق الآخر بالحديث، كما لو أنهم مجموعة تلاميذ، يحاول كل تلميذ أن يتسبق الآخر في الإجابة عن السؤال، ليثبت للمعلم بأنه الأشطر.
تحدثوا عن الموت الذي كان يأكل ويشرب وينام معهم. عن الخنادق الممتلئة بالوحل والماء والجثث المتعفنة تحت طيات الطين. عن الأجساد التي تتفحم في العربات. عن الكمائن الليلية في الوديان الموحشة الباردة. عن الجثث الطافية فوق وجوه البحيرات. تحدثوا عن الأصوات الغريبة التي كانوا يسمعونها في غابات شجر الجوز والحور. عن المسير ثلاث ساعات في الطريق إلى الربايا التي تعانق السحاب. عن رياح آب اللاهبة التي تهب على السواتر الترابية. تحدثوا عن مباهج الشاي والخبز المحمص تحت قمر الحرب البارد. تحدثوا عن الحبيبات اللواتي كنَّ ينمنّ معهم على شكل صور فوتوغرافية تحت الوسائد، هناك، في ملاجئ أكياس الرمل وسقوف الصفيح. عن القطارات التي تقل الجنود وهي تقطع البراري والصحارى مثل ذئاب هاربة تحت جنح الظلام. عن الركض وراء الحافلات التي تارةً تقلهم إلى الجحيم، وأخرى إلى الجنة. عن الخيال النشط الذي يجتاز السواتر والملاجئ ومرابض المدفعية ونقاط الحراسة وفرق الإعدام ويتوقف فوق سطوح البيوت الغافية على ضفاف الأنهار والقرى وضواحي المدن. تحدثوا عن وحشة ساعة العصر، ومتاهة ما بعد منتصف الليل. تحدثوا عن خمرة الحرب التي يخفونها في «الزمزميات» ويشربونها خفية على نبرةٍ جارحةٍ لمغنيةٍ فارسية. عن محاربٍ سرق حمارةً من إحدى القرى المتناثرة على كتف الجبل وخبّأها في ملجأ المؤونة. عن عجوز يدخنون في كوخه الترياق، يشهرُ في وجوههم بندقية ويأمرهم أن يخرجوا عراةً في عز برد كانون بعد أن سلبهم ملابسهم ونقودهم. عن أرَق ليلة التمتع بالإجازة وعذاب ليلة الالتحاق. عن العريف الذي تبول على نفسه عندما ظهروا له فجراً وهم يرتدون ملابس الأشباح البيض. عن الحنين الذي يمزق الروح لروائح العائلة. عن الحرمان من الشوارع الساهرة حتى الصباح، التي تعج بالحانات والمطاعم والمقاهي والملاهي ـ عندما كانوا يتحدثون اختفت التجاعيد والأخاديد واستقامة ظهورهم المحدودبة كعصي الخيزران ـ.
حان وقت إغلاق المقهى. تحت مصابيح الشارع وضباب الليل، وقفوا صامتين وقد عادت وجههم تشبه ساعات «سفادور دالي» المائعة المتدلية. عادوا هرمين جداً، كما لو أن واحدهم عمّر مائة عام. ودعوا بعضهم البعض، ومضى كل واحدٍ إلى بيته عبر نفس الطريق!

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.