في الكتابة للأطفال

شكري المبخوت ـ تونس

حين نكتب لنظرائنا في السن والتجربة نكون نحن هنا والآن وقد حملنا من تجارب الحياة والمعرفة بالنفس البشريّة وإدراك لأنماط من الواقع ما حملنا. بيد أنّنا حين نكتب للأطفال واليافعين فالأرجح أنّنا نخاطب ذاك الطفل الذي كان كما يراه الكهل اليوم. إنّها كتابة تستعيد من الطفولة العذبة أو القاسية، السعيدة أو التعيسة، ملامح دفينة هنالك في الماضي نعرضها، هنا، على مرآة النفس والعقل والروح.
لعلّها رحلة في الزمن الذي لا يعود نستكشف خلالها من ذاتنا ما فاتها أن تكون عليه أو ما حلمت به ولم تجد تربة تستنبت فيها ذاك الحلم. فأ نكتب للأطفال حقّا أم نكتب للطفل الذي كنّا كما نريد اليوم أن نكون قد عشنا طفولتنا لو أتيح لنا أن نفكّر في تلك السنّ بما علمتنا إيّاه مسارات الحياة المتعرّجة والثورات الصغيرة وضروب النزق والطيش والجموح والتمرّد بعد أن انقضت الطفولة؟
أنا، شأني شأن الكثيرين، ابن عائلة محافظة كانت ترى النجاح في الدراسة مصعدا اجتماعيّا لخروج أبنائها من ضائقة العيش. والطريق بيّنة: شيء من الانضباط والالتزام بالقيم الحميدة والأخلاق الاجتماعيّة والانكباب على العمل.
كان الخروج إلى الشارع لمخالطة الأشرار، وإن كانوا في سنّ البراءة، جريمة لا تغتفر. كان الخطأ مهما صغر مدعاة إلى العقاب الصارم. كان الزيغ عن نواميس الأكل والنوم واللباس النظيف يعني جنونا زيغا عن السراط المستقيم للنجاح. كان الاحتجاج على أيّ شيء تافه يستدعي غضب الكبار وتقريعهم. وقس على هذا كلّ ما يعجب الكبار.
والأطرف من هذا كلّه إنّ مسكك متلبّسا بمطالعة قصّة على ضوء شمعة أو نور خافت ينوس به الفانوس قرب فراش النوم فرصة متجدّدة لتذكيرك بأنّ مراجعة الدروس المدرسيّة أهمّ من القصص التي لا تفيد شيئا. فهي مضيعة للوقت. وهأنا أجد تلك القصص تلهمني فترتقي بي إلى عوالم فاتنة واسعة مثلما رفعتني الدراسة يوم كانت مصعدا اجتماعيّا إلى مصاف النخبة.
كنت من جيل مبرمج ذهنيّا لأن يكون أطفاله ناجحين في مدينة للناجحين بشّرت بها دولة الاستقلال وأساطيرها. ولولا بعض الموسيقا والمسرح والشعر والرسم وغيرها من الفنون في الفضاء المدرسيّ الرائع على فقره (كما أراه اليوم) لكنّا أجهزة لتلقّي المعرفة والاختبار فيها من أجل النجاح الدراسيّ لا غير.
بيد أنّ ما لم نكن نراه في خضمّ ذاك التنافس المحموم على المراتب الأولى في الفصول الدراسيّة هو الفضلات التي ترمي بها آلة التعليم إلى المجتمع ويرمي بها المجتمع إلى حواشيه ليهيئ بعض الأطفال للعب دور المجرم المقصيّ المهمّش.
لم يكن المجتمع الذي عشت فيه يؤمن بأنّ الأطفال عباقرة إذا ما اجتهدنا في استكشاف مواهبهم فطوّرنا استعداداتهم وأصغينا إلى ما يعتمل في صدورهم الصغيرة ونفوسهم الصامتة. فالطفل عالم صاخب يلقّن آداب الصمت ويجبر على الكتمان. كم خسرنا من موسيقار ورسّام ومسرحيّ ونحّات وفنّان بأسلوب منمّط في التربية ومعايير موحّدة في النجاح؟ وإذا ما نجحت نخبة محدودة العدد في نظام تعليميّ يغربل بدقّة متناهية مستبقيا القليل هل يعني أنّنا بنينا مدينة للناجحين حقّا؟ وما الحياة إذا كان التغيير فيها يقتصر على الانتقال من شرور الجهل والفقر إلى شرور النمطيّة القاتلة والانضباط الخانق؟ فكأنّ الناجح في مدينتي التي عشت فيها هو من استطاع أن يتخلّى عن ذاته ليكون ما أراد له الآخرون، بقيمهم الجامدة وذهنيّتهم المتكلّسة، أن يكون. لكن أ ليس شوق الإنسانيّة الدفين كامنا في الخروج من عالم الواجب والضرورة إلى عالم الإمكان والحريّة؟ أ ليست تلك الحريّة هي التي تجعلنا قادرين على تحويل أشياء الحياة إلى فــــنّ أو عيش الحياة بطـــــــــريقة فنّيّة؟
بيد أنّنا نكتشف بالتجربة وقراءة تاريخ البشريّة أنّ روح التغيير التي تسكن الأطفال المختلفين المجانين كما وصفناهم في قصّتنا «مدينة الناجحين» هي التي تنتصر في نهاية الأمر. فلجنونهم أشكال رائعة فاتنة يتجلّى فيها ولنجاحهم الحقيقيّ، أي سعادتهم، مسالك غير التي يراها المجتمع الفظّ الذي يعيد إنتاج قواعده ونواميسه. فمدينة الناجحين الفعليّين هي المدينة التي يغيّرها مجانينها وقد تعلّقت همّتهم بما وراء العاديّ المشترك المبتذل حين تطلق الفنون العنان لمواهبهم ورغباتهم كي يصوغوا صورا من الحلم بالتغيير المستمـــــرّ ينسجونها من النور الذي يجتذب الفراشات الهائمة في فضاء الحريّة فإلى النور فالنور عذب جميل كما قال أبو القاسم الشابّي.
لست أدري من يتكلّم في هذا النصّ الذي كتبت وفي القصّة التي ألّفت. أهو الطفل الذي كان يجاهد في صمت ليصنع الكهل الذي صرت؟ أم الكهل الذي يسعى إلى أن يكشف بعض دوافعه الخافية لكتابة «مدينة الناجحين»؟ أم الأرجح أنّ كاتب قصص الأطفال يصبح بالضرورة يتكلّم بلسانين ويعبّر عن صوتين للطفل والكهل في هويّة سرديّة موجّهة إلى بناء شخصيّة الطفل الجديد الآتي، طفل الحريّة والتربية على الحرّيّة وطفل الرغبات البانية لسعادة الإنسان؟
ما أنا متيقّن منه أنّني أكره الحنين إلى الماضي بما في ذلك جنّة الطفولة الضائعة (إن كانت جنّة حقّا) وكلّ حنيني، وأنا مؤمن إيمانا عميقا بحتميّة التغيير وترقّي الإنسان، إنّما هو حنين إلى طفل عربيّ جديد بقيم وأخلاق ومواهب نورانيّة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.