حكاية شهيد

بقلم/ محمد فاضل الساعدي

بعض الناس .. قد تجدّه يقرأ مئات الصفحات، لرواية تافهة ، خطها قلم كاتب، بحبر خياله فقط ، ليعيش شعوراً واهماً بالمتعة والتسلية، وقد يقف ساكنا، متعجبا، أمام موضوع، ليس له في الواقع أي معنى للحقيقة .. لكنه يمرُّ مرور الكرام، غير آبه، أمام حقائق عجيبة، تمتزج في لوحتها الرائعة ألوان زاهية، تشعُّ منها أنوار البطولة والصدق والآباء .. لتخط بفرشاة تاريخ وجودها، أعجاز الموقف الإنساني الخالص.

فيقف أمام عطائها العقل، حائرا بين مشاعر الوهم والتصور والتصديق.. كلمات.. قد تتخلل حروفها ألفاظ الفلاسفة، لكن عجز الوصف.. لقدرات ومواقف ثلة من الرجال الشجعان، الذين آمنوا بكل ما يعني الإيمان، وانطلقوا نحو مسيرة التضحية والجهاد، بأعمق ما تعنيه هذه الكلمات ، يجعل وصف عظمتها صعباً للغاية عند الكاتب..

لان كل ما يكتب وسيكتب، قليل في حق الشهداء الأبرار، الذين لم يضحّوا بأنفسهم فقط، بل تركوا وراءهم حملاً ثقيلاً من الروابط الأسرية، التي لا تنفصل عنها المشاعر الإنسانية بسهولة، وأعطوا ظهورهم بكل ثقة وقناعة، لملذات فانية، يبيع البعض من أجل التمتّع بلحظاتها آخرته ورضا ربه، فمَنْ هذا الشهيد ؟ وماذا يحمل من عقيدة ؟.

وأي هدف سامٍ تجلّى في فوائده ؟ ورسخ في خلايا عقله .. ليصل لهذا المقام الكبير، ويقطع كالبرق الخاطف، حجب الدنيا الزائلة وملذاتها الدنيئة.

قد لا يمكننا أن ندرك ذلك.. ولكننا على الأقل لنعيش عن قرب بعضاً من صور حياتهم، لعلنا نفهم ولو قليلا .. ماذا تعني حلاوة كأس الموت .. على شفاه هؤلاء الرجال، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. ونستنشق بعبق العواطف الجياشة، أنفاس الشهادة، ونبصر بعين الإيمان مقامها السامي، ونعطر أعماقنا الشائكة، بأريج عطرها الخيالي، لنعيش تلك اللحظات ونحن نطالع، صوراً من أرشيف حياتهم، خطت ألوانها الجميلة، بفرشاة لسان أهلهم وأصدقائهم ومحبيهم, لنطرز تلك القصص تحت عنوان (حكاية شهيد) .

نعم .. أصبحت جاهزاً للذهاب أن شاء الله للمسجد .. كان حيدر يحدث نفسه، وهو يرش ملابسه الأنيقة، بعطر جميل فواح تتطاير بعض نفحاته .. بين ذرات الهواء الطلق .. فقد اعتاد أن يذهبَ في مثل هذا الوقت، لحضور صلاة الجماعة، في مسجد (بقية الله) في منطقة شارع فلسطين ببغداد.
فيطرب سمعه بكلمات العشق للمحبوب، ويرسم في ذهنه لوحة الجهاد، والفوز بمقعد صدق عند مليك مقتدر .. لم تغب عيون أخيه عنه، وهو يراه يصارع اللحظات .. مسرعا للذهاب كأنه مسافر قد تأخر عن موعد سفره ليوقفه قبل أن يخرج متسائلا باستغراب : أخي حيدر ، انك كعادتك في مثل هذا الوقت، تريد أن تلحق بركب المصلين في الجامع ..
ولكن لماذا تقطع تلك المسافة البعيدة إلى هذا المسجد بالذات ؟.. هناك مساجد كثيرة ، هنا قريبة من المنزل ؟ لماذا لا تذهب لتصلي فيها .. نظر حيدر إلى أخيه .. وقد ارتسمت على شفاهه ابتسامة يملأ خطوطها اليابسة الشوق والعاطفة قائلا: أخي أنا أجد في هذا المسجد روح المقاومة والجهاد.
وتمر الأيام، لتكتب بأنامل تاريخها، ماضياً لن يعود، وحاضراً مملوءاً بالذكريات الجميلة .. وتنطوي الأزمنة، وتتغير الأماكن، ولكن لا تتغيّر مشاعر العشاق، فقد أستبدل حيدر ملابسه، المدنية الأنيقة، بالملابس العسكرية، حيث التحق مع أخوته المجاهدين .. في (كتائب حزب الله).. إلى جبهات القتال، ليكون عطره تراب المعارك ومسجده المحور الذي يقضي واجبه فيه ..
لكن صورة أمه وأبيه، لا تفارق نومه وصحوته .. لم يشأ أن يقلقهما عليه، لذلك لم يخبرهما انه قد تطوع للقتال .. واختار أن يخبرهم .. بأن لديه واجباً في المستشفى الذي يعمل به ، كلما ألحّا عليه بالسؤال أو تساءلا عن سبب غيابه المتكرر عن المنزل.
لكن قلب الأم، كان دائماً يساوره الشك، ويملأ أوصاله الخوف، فقامت بالاتفاق مع زوجته، على أن تتصل، وتقول له أن والده يعاني ألماً في ظهره .. وسوف تأتي به إلى المستشفى (أي المستشفى الذي كان يعمل فيه) وقامت بالاتصال وعندما سمع ذلك قال: (لا، لا تأتوا آنا سوف ارجع حالا) ..
ليزداد الشك، وتختنق عواطف الخوف في أعماق روحها الذابلة.. لكنها وكلت أمره إلى الله سبحانه تعالى ليمد له يد العون ويفتح لفلذة فؤادها أبواب الفرج والرحمة ..
كل حكاية.. لابد أن تكون لها نهاية سعيدة أو حزينة، تنطوي بها سطور أحداثها الطويلة، ألا حكايات هؤلاء الأبطال ، فأنها تبدأ ولا تنتهي.. وقد اختلطت فيها مشاعر الحزن والفرح وتشابهت دموعهما، فالغائب في فصولها حاضر ، والميت حي لا يموت، وان كان الغافلون أمثالنا لا يشعرون بذلك ..
تجمع عشرات الناس، خارج المنزل، وأصواتهم تعزف سيمفونية حزن مرير، وتكتب لوعتها كلمات فراق حبيب .. هرولت أم حيدر مرعوبة لتعرف ماذا يحدث .. لم يكد يطول سؤالها و استغرابها !! لنظرات العيون الباكية والمعزية لها .. فقد أخبروها : أن ولدها قد نال شرف الشهادة، وهو يقاتل في سبيل وطنه وعقيدته .. كان لسانها يقول ولدي حيدر في المستشفى !! … لكن قلبها صرخ مع كل نبضة تتسارع، وهي تنصت إلى صوت، لا يشعر فيه إلا قلوب الأمهات الحانية ، صوت حيدر، وهو يقول بنغم شجي : عذرا.. منك آماه فقد تحققت أمنيتي، وفزت برضا المعشوق، فلا تحزني يا أمي الغالية، (أن الإنسان يموت ميتة واحدة، فلتكن ميتة بكرامة).

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.