مواجهة الفساد بين الإعلان و غياب الارادة السياسية

حسين احمد السرحان
كثر الحديث عن الفساد ومواجهة الفساد في العراق وبات منذ سنوات حديث العامة والخاصة، فضلا عن انه حديث الفعاليات السياسية والحكومية والنيابية، حتى صار الشماعة التي تعلق اغلب المؤسسات فشلها عليها. وهذا أسهم في التركيز على الظاهرة في العراق والتي نتلمس مخرجاتها في كل لحظة وفي كل مكان عبر مظاهر الفشل والإخفاق. وطالما تؤكد الجماهير والرأي العام ان من ينجح في التصدي للظاهرة سيدخل التاريخ من اوسع ابوابه، وسيكون هو الزعيم الحقيقي للدولة العراقية بعد 2003. ما وصلت له الظاهرة من أبعاد خطيرة – لم تستثنِ قطاعا إلا ونخرته – أصبحت تهديدا وجوديا بعد ان أوجدت الظروف المناسبة لظهور أعتى التنظيمات الارهابية في العالم وهو تنظيم داعش الارهابي والذي وصل الى حدود العاصمة بغداد. في نهاية العام 2018، أعلن عن تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد في العراق إلحاقا بإجراءات سابقة حول الموضوع ذاته. ويبدو انه جاء التزاما بالبرنامج الحكومي الذي عرضه رئيس الحكومة السيد عادل عبد المهدي وصوت عليه مجلس النواب. وأشاد بعض الساسة وقادة الرأي العام بتشكيل المجلس والمهام الملقاة على عاتقه، لكن الكثير رأى انها خطوة صورية لا تعدو كونها تعبيراً من رئيس الحكومة لإثبات التزامه ببرنامجه الحكومي الذي تضمن مواجهة الفساد. التغطية المكانية لظاهرة الفساد لتشمل كل اقليم الدولة العراقية، لا يمكن مجابهتها من دون توفر ارادة سياسية وطنية قوية. وعندما نقول ارادة سياسية نسلم بضرورة وجود إدراك لدى كل القوى والتيارات السياسية المشاركة في ادارة السلطة في الأجهزة والمؤسسات التشريعية والتنفيذية بخطورة الفساد، وهذا الادراك هو من يخلق الارادة السياسية بعد توفر عوامل مساندة كالضغط الجماهيري والرأي العام وأدواته. لكن السؤال هنا، هل بإمكان القوى والتيارات السياسية الحالية في العراق بلورة هكذا ارادة ؟ بداية الإرادة (اسم) تأتي بمعنى العزم، والعزيمة، المشيئة، وهي تصميم واعٍ على أداء فعل معين قوي، ويستلزم هدفاً و وسائل لتحقيق هذا الهدف، بالإضافة إلى العمل الإرادي. وقوة الارادة تعني المثابرة على القيام بعمل ما برغم العوائق والمصاعب التي تعترض القائم بهذا العمل. أما الارادة السياسية فيمكن ان نقول هي المشيئة أو العزيمة التي تتبناها الأجهزة والمؤسسات والهيئات التي تباشر السلطة السياسية في بلد ما. وبالتالي لا يمكن تحقيق التغيير المنشود في جانب ما أو قطاع ما، إلا اذا تحققت موافقة تلك الاجهزة والمؤسسات والهيئات، على ان اصدار قرار بالموافقة على اجراء أو قرار سياسي باتجاه التغيير أو تجاوز أزمة ما لا يكفي بحد ذاته لكي يصبح التغيير حقيقة واقعة، بل يجب الاستمرار في اصدار القرارات اللازمة لوضع متطلبات هذا التغيير موضع التنفيذ. الارادة السياسية واحدة من مسلمات القوة السياسية المرادفة للدول الراسخة، وتفرض وجودها على اقليمها وعلى المجالين الاقليمي والدولي. ان وجود الارادة السياسية يرتبط، كما هو معروف، بشكل النظام السياسي، وطبيعة النخب الحاكمة، ومرجعياتها الفكرية، والتزامها الاجتماعي، ومناهجها في البناء السياسي للدولة. لذا يمكن ان نؤكد مبدئيا انه من دون وجود هذه الارادة ان تصبح اية عملية تطويرية عرضة للأهواء وبالتالي عرضة للتقلبات والانتكاسات. أهم خطرين سايرا اعادة بناء الدولة العراقية بعد عام 2003 هما الارهاب والفساد. وبغض النظر عن الاسباب التي يعرفها الجميع، لكن اذا ما راجعنا خطر الارهاب نجد ان بدايته تعود الى ظهور تنظيم القاعدة وتوسع نشاطه، ثم ظهور تنظيم داعش وتمدده من سوريا ليسيطر على مساحات واسعة من العراق. استمرار الارهاب بمختلف انماطه وتعدد حركاته منذ بداية التغيير السياسي لغاية بدء الحرب ضد تنظيم داعش لا تنم عن امكانية لبلورة ارادة سياسية، ولكن بعد ان صار تهديد داعش الارهابي تهديدا وجوديا تبلورت ارادة وطينة جماهيرية شعبية مدفوعة بتوجيه المرجعية الدينية بفتوى الجهاد الكفائي التي ساندت الجماهير، ودعمت تلك الارادة ارادة دولية في مواجهة تنظيم داعش الارهابي، في حين غابت الارادة الوطنية للقوى السياسية. لذا، وفي إطار مواجهة الفساد، لا يمكن لتلك القوى ان تبلور ارادة سياسية ذات هدف رئيس (مواجهة الفساد)، وهذا سينعكس سلبا في استكمال وتعزيز الإطار التشريعي اللازم للأجهزة التنفيذية والرقابية والقضائية لأداء عملها وإنجاح مهمتها، لان تلك الأجهزة خضعت للمحاصصة الحزبية. نرى ان نجاح المهمة الكبرى ضد الفساد تحتاج الى جهود الجميع وقيادة هذه الجهود هي مهمة القوى السياسية. ومن دون ان تتخلى تلك القوى عن آفاقها الضيقة وتضع بعين الاهتمام بناء الدولة، لن يُكتب النجاح للمجلس الاعلى لمكافحة الفساد ولا لأية جهة رقابية أو قضائية أخرى وبالتالي لن يندحر الفساد، بل سيتعاظم وتتعزز سيطرة الفاسدين ويكون عند ذاك الذهاب الى المجهول حتميا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.