الثورة التي غيّرت وجه الشرق

غالب قنديل
عندما صاغ الإمام آية الله الخميني مشروعه الثوري وخطابه السياسي قبل أكثر من خمسين عاما أعطاه صفة عالمية أممية واضحة ليس فحسب انطلاقا من الفكر الإسلامي وطبيعته الإنسانية الشاملة في المبنى والمعنى أو لأن الإمام طور مفهوم ثورة المستضعفين الذي رد له السيد روح الله الخميني اعتباره الفكري والنظري في النص الإسلامي المعاصر بل أيضا لأن إيران المستعمرة كانت في صلب توازنات الهيمنة الاستعمارية العالمية وهي على خارطة القوى الكبرى منذ قرون. كان الإمام مدركا لما تختزنه إيران وشعبها من قدرات هائلة وثروات طائلة وما تتصف به من أهمية استراتيجية وسياسية في منطقتها الواقعة على مفترق التماس والصراع الدائر على الهيمنة والتحكم بموارد الثروات وطرق التجارة القديمة والحديثة منذ طريق الحرير. كذلك فهم هذا القائد الثوري ان عملية التحرر والاستقلال وإعادة البناء الوطني تستدعي منهجيا قيادة الصراع حول تناقض رئيس مع عدو رئيس هو منظومة الهيمنة الاستعمارية الصهيونية الرجعية في المنطقة ومركزها إسرائيل قرينة نظام الشاه الدكتاتوري وتوأمه الاستخباراتي في الشرق ومفتاح دوره الوظيفي المكرس لخدمة الكيان الصهيوني وحروبه التوسعية المدمرة. تعرف الثورات الكبرى في التاريخ أعداءها وهم يعرفونها بحكم طبيعتها التحررية وأهدافها وطموحاتها وما تختزنه من قوة تهديد وجودية لشبكة المصالح الاستعمارية والثورة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني خاضت الصراع من دون تردد وأعلنت اهدافها بكل صراحة وقوة ليس فحسب ما يتصل منها بالتحرر والاستقلال لإيران بل أيضا في القضاء على الهيمنة الاستعمارية في الشرق و»استئصال الغدة السرطانية الصهيونية» من فلسطين وشكلت الأربعون المنقضية منذ انتصار الثورة إلى اليوم ميدانا لتجدد قوة اندفاع الجمهورية بقيادة السيد الخامنئي في كفاحها من أجل هذه الأهداف وهي اليوم تتصدر تحالفا عالميا مناهضا للهيمنة الاستعمارية الأمريكية يضمها مع الصين وروسيا والهند وبلدان أخرى عديدة في القارات الخمس. اعتمدت إيران على قدراتها الذاتية في البناء الاقتصادي بعد الإطاحة بالهيمنة الاستعمارية والقضاء على عملائها المحليين وبعد تحقيق الاستقلال الوطني وتوطيد دعائم الجمهورية انصب الجهد بكليته على امتلاك القدرات المتفوقة اقتصاديا ودفاعيا وفي معمعة الصراع. لم تنغلق إيران ولم تنكفئ لتؤهل قدراتها بل بنت قواها في صلب معارك التصدي للحلف الاستعماري الصهيوني وأدواته وهذه ميزة خاصة فقد واصلت إيران البناء والتطور بينما خاضت حروبها الدفاعية على امتداد العقود الماضية واستطاعت القيادة الإيرانية دائما بناء حالة من الوعي الشعبي والتوتر من أجل حماية الجمهورية وخيارها التحرري المعادي للاستعمار لأن نظامها السياسي قام على تحصين الإرادة الشعبية والمنظومة القيادية ذات الهوية الواضحة فلم يتوهم القادة الإيرانيون وجود استراحة في الكفاح التحرري وطاردوا جميع الأوهام التي غذاها الأمريكي عن المهــــــادنات والتسويات المحتملة التي سرعان ما كذبتها التطورات وآخرها معركة الاتفاق النووي وما بعده. أربعون عاما من الصمود والنضال التحرري والبناء الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي المتطور والشراكات والتحالفات المعقودة على مبادئ التحرر العالمي من الهيمنة وحماية حقوق الشعوب المضطهدة المسلوبة حقوقها وتزداد إيران قدرة
وصلابة..لقد توسعت الفاعلية الإيرانية على مدى قوس الشرق الكبير من باكستان وأفغانستان إلى الخليج إلى قلب الشرق العربي فلسطين وامتدادا إلى أفريقيا وحيث تمثل الشراكة الإيرانية مع سورية لب ما بات يعرف بمحور المقاومة كحقيقة إقليمية قاهرة في وجه الولايات المتحدة وعملائها في المنطقة ومعهم شريكتهم إسرائيل. ما نتمناه اليوم في العيد الأربعين ان يتوسع المحور ويتطور ليقوم نوع من الاتحاد في هذا الشرق يحقق اندماجا اقتصاديا وسياسيا فيشكل كتلة استقلال وتحرر كبرى من ساحل اللاذقية حتى شواطئ اليمن والمسؤولية على عاتق جميع قوى التحرر ولكنها أصلا وأساسا مسؤولية القيادتين الإيرانية والسورية وسائر الجهات المعنية في العراق واليمن بدءا من شبكة السكك الحديد وطرق المواصلات الحديثة ومنظومات الكهرباء العابرة للحدود والسوق الاقتصادية المشتركة. شراكة الصمود والنضال لابد ان تتوج بشراكة البناء والإنتاج والعمران لينعم أهل الشرق بثمار كفاحهم ودماء أبنائهم ولتكون هذه الكتلة العربية الإيرانية شريكا لجميع القوى العظمى الشرقية وبالذات روسيا والصين والهند في رسم طريق الحرير الجديد وتكوين قوة جذب يتسابق الآخرون على الالتحاق بها. إيران منارة التحرر والاستقلال وحاضرة النهوض والمقاومة كانت منذ اليوم الأول لانتصار الثورة وما تزال مثالا في التصميم والقدرة على تحقيق الأهداف الكبرى وخصوصا في نسج تحالفات إقليمية ودولية تشق الطريق التحرري لشعوب العالم المضطهدة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.