انحرافات أخلاقية مغلّفة بوجوه براقة

المراقب العراقي- سعاد الراشد
مثل الإنزياح القيمي الذي يمرّ به العراق منذ عام 2003 أخطر التداعيات التي رافقت جملة التغيرات السياسية والاجتماعية، وأدى هذا الإنزياح إلى تراجع كبير لمفاهيم الردع الدينية والاجتماعية مقابل صعود مفاهيم الانفتاح والاختلاط غير المنضبط والتماهي مع الكثير من السلوكيات المنحرفة تحت مسمى الحريات الشخصية واحترام الخصوصية.
يعود البغاء وبيوت الانحراف الأخلاقي واللهو إلى بدايات تاريخ المجتمعات الإنسانية، وهي مظاهر لم يخلُ منها زمن من الأزمنة إلا أن ظهورها وسعتها، ومدى مقبولية المجتمع لها يختلف من زمن لآخر ومن مجتمع لآخر، حيث يصنف المجتمع العراقي من المجتمعات المحافظة والمتشددة تجاه هذه النشاطات، إلا أن نماذج جديدة تمَّ إلباسها أغلفة ملمعة من أجل إخفاء ما تحت كواليسها، وتمثل (الكوفيات) أحد أهم هذه المظاهر الجديدة ، حيث يعجُّ الكثير من مناطق بغداد في المنصور والكرادة وغيرها من المناطق، بل سرى الأمر حتى إلى المحافظات الأخرى.
«المراقب العراقي» سلطت الضوء على تلك القضية وانتشار دور البغاء في العاصمة وحجم تأثيرها في المجتمع العراقي وما العوامل المساعدة لانتشارها ؟ وكيفية القضاء على هذه الظاهرة التي لا تمت بصلة للمجتمع العراقي المعروف بالمحافظة الدينية والتمسك بالتقاليد والأعراف العشائرية الأخلاقية الإيجابية.
إذ تحدث بهذا الشأن رئيس كتلة النهج الوطني عمار طعمة الذي أكد ضرورة مكافحة شبكات البغاء والاتجار بالبشر والمخدرات لأضرارها بأمن المجتمع وتهديد قيمه الاخلاقية. وقال طعمة «مع انتشار مراكز ودور البغاء في العاصمة بغداد بشكل مقلق وخطير ويهدّد بنتائج تدميرية على المستوى الأخلاقي والأمني والصحي» وأضاف طعمة « اذ اشارت التقارير لتزايد مواطن الفجور ومحلات البغاء والفساد الأخلاقي دون اجراء مناسب من الحكومة يستأصل مناشئ وأسباب هذا الخطر المهدد لبنية المجتمع وقيمه الاخلاقية الدينية والوطنية «وطالب طعمة» بمجموعة إجراءات جادة منها ان تتشكل في وزارة الداخلية دائرة الآداب المجتمعية بهيكلية تتكامل على مستوى أجهزة جمع المعلومات وتحديد مواقع وشبكات تلك الدور والمراكز ، وتشكيل قوة تنفيذية لملاحقة واعتقال رؤوس الجريمة الاخلاقية وامتداداتها مع شبكات الاتجار بالبشر وممارسة البغاء خارج البلاد . كما طالب بقيام وزارة الداخلية بعملية مداهمات وتفتيش واسعة في المناطق والمحلات المنتشرة في العاصمة وإغلاق كل الدور والمحلات المرتبطة بتلك الانحرافات وتقديم جميع المتورطين ممن أدار او روّج او مارس تلك الأفعال المنافية للقانون والآداب والشرع، داعيا الى تكييف القضاء لجريمة انشاء دور البغاء وإدارة تلك الشبكات والاتجار الجنسي وفق اقسى العقوبات لردع الداعمين لها وتجفيف بيئة انتشاره ويرى طعمه « ان هذه الأماكن تشكل مرتعا لنمو الجريمة المنظمة وتشكيل العصابات المهددة للأمن الاجتماعي العام ، ومعالجتها يمثل اجراءاً وقائياً فاعلاً في تقليل الجريمة المنظمة وخطر العصابات الإجرامية لذلك يجب ان تكون تهديداتها ضمن مساحة عمل ومهام استخبارات الداخلية ومكافحة الجريمة المنظمة».
وطالب طعمة «انشاء ضمن وزارة الداخلية قسم متابعة ورصد المواقع والصفحات الالكترونية المروجة والمديرة لهذه النشاطات الإجرامية التي تسببت في تفكيك عوائل عديدة وانطلقت منها عمليات ابتزاز بكرامات وأعراض العوائل لكشف وملاحقة وإغلاق هذه المواقع والصفحات وجمع الأدلة لإدانة مرتكبي هذه الجرائم « وقال طعمة «ان انتشار هذه المواقع والبيوت وبيع وتعاطي المخدرات في مناطق حيوية من العاصمة وعلى مقربة من مواقع السلطة والقرار يدلل على تواطؤ وتساهل فاضح الجهات المسؤولة عن هذه الظواهر المدمرة للمجتمع ، لذلك لا بدَّ من اعادة النظر بإسناد مهام الدوائر الامنية المسؤولة عن مكافحة هذا الانحراف لأشخاص معروفين بالنزاهة والشعور بالمسؤولية تجاه قيم المجتمع وحفظ تماسكه الاخلاقي ليحلّوا بدلا من اولئك المتواطئين والمترددين عن مواجهة هذه الآفة الاجتماعية والأخلاقية .مضيفا «, ان وزارة الصحة عليها ان تتخذ قرارات جريئة بإغلاق محال المساج التي تنتشر فيها أعمال الدعارة وتمثل محطة لانتقال الأمراض الفتاكة كالإيدز والزهري والسيلان وتمتنع عن منح إجازات لهذه المحال المريبة وتنشر توعية عامة بالبدائل الصحية البعيدة عن هذه الممارسات ومضاعفاتها الصحية والأخلاقية .
ويقتصر تشخيص العلاج الطبيعي والحاجة له على قرار طبيب اختصاصي ويجرى في المستشفيات فقط مع مراعاة المماثل المعالج رجلا كان او امرأة . ويعاقب كل من يتجاوز هذه التعليمات ويعامل كمصدر وسبب لانتشار الأمراض وتهديد الصحة والآداب العام».
مؤكدا « العمل على تعديل القوانين العقابية التي تتناول هذه الجرائم وتشديد العقوبة لمن ينشئ أو يدير او يروج لهذه الشبكات الإجرامية او يمارس الابتزاز والاستغلال الجنسي وعلى وزارة الداخلية ملاحقة شبكات تداول القمار والدعارة في الفنادق السياحية لافتا في حديثه «ان هذه النشاطات شكلت منفذا لتهريب الأموال ولتورط شخصيات نافذة مالية واجتماعية وسياسية في هذه الممارسات المهددة للأمن العام».
في سياق متصل، قال المحلل السياسي كريم الغراوي، ان بعض المقاهي او التي تسمى «الكوفي شوب» هي في عنوانها العام أماكن عامة للمسامرة وتبادل الأحاديث إلا أن القائمين عليها والداعمين والحامين لنشاطها وجهوها باتجاه يجعل أقرب إلى بيوت غير الاخلاقية الرسمية، إذ يمكنك مشاهدة الفتيات بالملابس المتبرجة جدا، مضافا إلى توفير الأماكن المغلقة التي تسمح للزبائن بأخذ حريتهم الكاملة في أي ممارسة لقاء الحصول على مبالغ عالية لا تقابلها أي خدمة مهمة سوى وجوه الحسناوات وأجسادهن والأماكن الآمنة.
مؤكدا أن هذا الملف لا تتوقف تداعياته عند الخطر الأخلاقي وما يساهم في تفتيت منظومة الأخلاق، ويشجع على الجريمة المنظمة، ويفت رباط الأسر، ويزيد من المشكلات الإجتماعية، بل يتعداه إلى الخطر الأمني حيث يمكن أن تكون تلك الأماكن أوكاراً للجريمة المنظمة والخارجين عن القانون، وكذلك يمكن استغلالها من الجماعات الإرهابية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.