الارهاب بين الأديان وإرادة السلطان

تمنيت ان أكون بين من يرتاد مربد الكتاب في معرض بغداد الدولي للكتاب لأشبع رغبتي وأروي عطشي في القراءة مما أحب وأهوى في مجال الأدب والفلسفة بعيدا عن السياسة إلا ان وعكة صحية ألمت بي منذ أيام عدة منعتني من تحقيق تلك الرغبة .. هذا الأمر دعاني لانفض الغبار عن احدى زوايا مكتبتي واقلب صفحات بعض ما فيها من كتب فكان ان أول ما وقعت على عيني كتاب تهرأت أوراقه وأصفر لونها بلا غلاف بل حتى انه يفتقد لبعض أوراقه إلا ان فضول الشوق للقراءة بعد قطيعة اجبارية دفعني لأقرأ ما فيه . لم أعرف اسم المؤلف ولا حتى اين طبع الكتاب غير انني وجدته يسرد رحلة الانسان ويحللها بدءاً من مرحلة الصيد ومهد الحضارة الزراعية وصولا الى عصر العولمة وانتشار الفتاوات الدولية والعصابات المنظمة ومن ثم الحرب على داعش بكل أشكالها ومسمياتها . لقد وجدته وكأنه يبحث في الاجابة عن التساؤل الذي يشغل بال المفكرين والباحثين في ماهية العلاقة بين الدين كعقيدة والإرهاب والعنف كسلوك أو منهج. كان الكتاب يبحث عن تلك العلاقة الجدلية والمعقدة والشائكة عبر الكشف عن الدوافع المركبة والعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتشابكة التي تقف خلف العنف والإرهاب الذي انتشر في بلدان العالم كالنار في الهشيم . من خلال قراءتي لقرابة الأربعين صفحة في كتاب لا اعرف عنوانه ولا من كتبه يمكن لي ان أقول انني استفدت كثيرا من خلال ما ترسخ لديّ من قناعة مفادها إن الدين في جميع المجتمعات خصوصا الشرقية منها يمثل شأناً واقعياً ومفهومياً قائما متداخلا مع بقية شؤون الحياة الانسانية بل ان الدين لم يكن حتى في الحضارات ما قبل الحديثة أي ما قبل ٣٠٠ عام من عصرنا هذا لم يكن مواجهة شخصية بين الإله والإنسان بل كان موقفا يتخلل سائر الأنشطة الانسانية ومفردات الحياة اليومية وكل قراءة للتاريخ بأثر رجعي من وعينا العلماني استناداً الى هذا الفصل المفهومي بين ما هو عقائدي أو ديني وما هو سياسي هي قراءة مغلوطة واهمة تقوم على مفارقة لا تمت بصلة للواقع التأريخي الموثق باتفاق الجميع و وحدة النص . من هنا يمكن لنا ان نستنتج وبشكل واضح وملموس لكل ذي عقل وبصيرة بعدم امكانية قيام الدولة القوية المتمكنة الناهضة والتي تحافظ على وجودها من دون استعمال العنف والقوة والإكراه وان كان ذلك يتم على شكل قوانين رادعة لا يخلو بعضها من العنف بأشكال وأغطية متعددة . هذه الحقيقة المؤسفة لطبيعة الاجتماع البشري الحضاري استطاعت ان تطوع الدين قسرا هو الداعي الى قيم الرحمة والعدل في جميع ثوابته وأسس التعاليم الالهية استطاعت ان تطوعه في كثير من الأحيان وتلوثه بالعنف والإرهاب . برغم ذلك فان الحقيقة الاكبر والاهم هي ان الدين في الوقت نفسه كان بشكل تحدياً مستمراً لعنف الدولة البنيوي والمادي وكان ولا يزال يحاول البحث عن بديل لدائرة العنف الضرورية بمفهوم الدولة أو للتخفيف عن وطئتها بعدما جعلت المفاهيم الواهية والمتناقضة للعلمانية من الدين كبش فداء لخطايا الدولة وآثامها وعنف طواغيتها وبعض قوانينها الجائرة التي تسن وفقا لمزاج الحاكم المتجبر وبالتالي فالأيديولوجيات العلمانية لم تكن اقل عنفاً من سابقتها الدينية بل ان الشعور القومي الذي حل محل الشعور الديني وأحاط نفسه بالهالة ذاتها من القدسية كما حصل في التجربة الناصرية بمصر وفكر البعث الهدام في العراق قد مارس عنفاً مضاعفاً على الأقليات وصل الى حد ارتكاب المجازر الوحشية التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا. أخيرا وليس اخرا ومن خلال ما استنتجته واستفدت به كثيرا عبر صفحات هذا الكتاب مجهول الهوية والغني في الفكر والمعرفة اجد ان احتساب الدين منفصلا عن ثوابت التعاليم السماوية الداعية للرحمة والحب والسلام واعتباره كشأن شخصي هو أمر مناف للعقل كنتيجة حتمية لتطور الوعي والتاريخ الإنساني الامر الذي اسهم في تشويه التقاليد الدينية الاخرى ودفعها الى التقوقع الهوياتي والأصولي للدفاع عن ذاتها في مواجهة الخطر الخارجي وهذا ما يحصل حين يرتهن الدين بقرار السلطان تحت الفهم الخاطئ لماهية ولي الأمر المطلق الصلاحية والمبسوط اليد فوق التعاليم والثوابت السماوية وهو ما أسس له الاسلام الأموي وصولا الى الفكر الوهابي والذي يمثل السبب الاول والأخطر والأكبر الذي أوصل الامة الى الحضيض وشوه صورة الاسلام بين الامم .

منهل عبد الأمير المرشدي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.