الإمام علي «عليه السلام» والإمامة الكبرى

سماحة الشيخ أكرم بركات
قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)..إنّها خلاصة لقصة امتحان عظيم تضمّنت الآية عنوانه وهوية الممتحَن والممتحِن ونتيجة الامتحان، ومكافأة الفائز، وكلمتي اختتام الحفل للفائز والمانح..وأما الممتحَن فيها: فهو خليل الله ابراهيم على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام..وأما الممتحِن فيها: فهو ربُّ ابراهيم ومدبّر أمره سبحانه وتعالى..وأما الامتحان: فهو سلسلة ابتلاءات كان في مطلعها ابتلاؤه بنفسه، وذلك من خلال رميه بمنجيق إلى نار عظيمة بسبب كسره الأصنام ودعوته لتوحيد الله تعالى..فهل تزعزع ابراهيم (عليه السلام)؟ هل اضطرب في هذا البلاء؟ ماذا كانت النتيجة فيه؟فالجواب ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ولما القي إبراهيم عليه السلام في النار تلقَّاه جبرئيل عليه السلام في الهواء، وهو يهوي إلى النار، فقال: يا إبراهيم لك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا، وقال (عليه السلام) : يا الله، يا أحد، يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، نجِّني من النار برحمتك، فأوحى الله تعالى إلى النار «كوني برداً وسلاماً على إبراهيم»..وكان في نهايات تلك الابتلاءات ابتلاؤه بأحبِّ الناس في عصره إلى قلبه، لقد أعلى الله تعالى لابراهيم (عليه السلام) مكافأة لا تقتصر على ثواب الآخرة، بل تتعلّق أيضاً بالدنيا، لكن من المؤكّد أنّها ليست ما يطمح إليها أهل الدنيا، فليست هي مالاً، ولا جاهاً عظيماً، ولا شهرةً واسعة، ولا تسلّطاً على الرقاب..وبل إنّها جائزة تتعلّق بمنحه كرامة أفضل الأعمال في الدنيا الذي له انعكاسه التجسّدي العظيم في الآخرة..فما هو أفضل الأعمال في الدنيا؟إنه العنوان الذي يتحقّق فيه منبع ومصبّ..وأمّا المنبع فهو الإخلاص لله تعالى..وأما المنصب فهو خدمة الناس، التي يزيد في فضلها أمران..الاول أن تتعلّق بهداية الناس..والثاني أن تتسع لتشمل أكبر عدد منهم..ومن هنا كانت مكافأة الله تعالى لخليله ابراهيم (عليه السلام) هي: إمامة الناس» :إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا «..وبقيت كلمتا الاختتام: الأولى للفائز نبيّ الله ابراهيم (عليه السلام): إذ طلب الاستزادة، لكن ليس له؛ لأنّه كان يتطلّع إلى ولده اسماعيل (عليه السلام) الذي شاركه في الامتحان الأهم بنجاح، وهو الذي قال له: «يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ»..وكما كان يتطلّع إلى المستقبل في ذريّته تأتي من ولده اسماعيل (عليه السلام) الذي اختار الله له محور الأرض والتوحيد مقرّاً له عسى أن تكون الإمامة في هذه الذريّة الطاهرة، فسأل الله تعالى» وَمِن ذُرِّيَّتِي؟»وكان الجواب في كلمة الاختتام من الله تعالى من خلال تبيان أن الإمامة ليست منصباً دنيوياً كما قد يعتقد بعض الناس، بل هي عهد من الله تعالى، وهذا العهد لا يمكن أن يحمله أيّ إنسان، بل لا بدّ من مواصفات خاصة لحمله، وعنوان هذه المواصفات يتعلّق بهدف الإمامة، وهو كمال الناس الذي لا يحصل إلا من خلال العدل،فابتلاء النبي ابراهيم (عليه السلام) بإلقائه في النار شابهه ابتلاء الإمام علي (عليه السلام) حينما أمره رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمبيت على فراشه في ليلة التخطيط للاغتيال، فبات علي (عليه السلام) وهو يعلم أنّ أربعين رجلاً سيأتون مشاركين في قتل المستلقي في الفراش، فبات دون تردّد أو وجل، وقد أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن نتيجة هذا العمل العظيم بقوله: «أوحى الله (عز و جل) إلى جبرئيل وميكائيل ( عليه السلام ) أني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه فأيكما يؤثر أخاه؟ فكلاهما كرها الموت، فأوحى الله إليهما:عبدي، ألا كنتما مثل وليي علي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين نبيي فآثره بالحياة على نفسه، ثم ظل أو قال : رقد – على فراشه يفديه بمهجته، اهبطا إلى الأرض كلاكما فاحفظاه من عدوه، فهبط جبرئيل فجلس عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجعل جبرئيل يقول: بخ بخ من مثلك يابن أبي طالب، والله (عز و جل) يباهي بك الملائكة! قال : فأنزل الله (عز و جل) في علي (عليه السلام): وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ».لذا واكب الله تعالى أمير المؤمنين منذ صغره، فكان منذ ولادته معصوماً لم يسجد لصنم باتفاق المسلمين الذين يخصّونه بين صحابة النبيّ بالقول بعد ذكره اسمه الشريف «كرّم الله وجهه» لأن وجهه لم يسجد لصنم، وكذا لم يَحِدِ الإمام (عليه السلام) عن العدل حياته وهو صاحب الشمعتين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.