قطوف من الحضارات.. «الحضارة الكردية»

الجزء الثاني

سروة عثمان مصطفی ـ العراق
د. محمد فتحي عبد العال ـ مصر
صنّف الباحثون المعاصرون اللغة الكردية كواحدة من أقدم اللغات الإيرانية، فيما استبعد البعض هذه الفرضية وبرهن على استقلالية اللغة الكردية بالاختلاف الواسع بين اللغة الكردية والمنشأ الإيراني. وقد صنّف المؤرخ مينورسكي والمؤرخ سايكس اللغة الكردية أنها من الفروع الهندو اوروبية، وان عشائر الكرد واللغة الكردية من الميديين اي الآريين، ويؤيد اللغوي الألماني جيرنوت وينهوفر هذا المذهب وان المتكلمين باللغة الكردية كانوا في الماضي يتحدثون اللغة الميديية.
واستنادا إلى كتابات هيرودوت فإن أصل الميديين يرجع إلى شخص إسمه دياكو الذي كان زعيم قبائل منطقة جبال زاكروس، وفي منتصف القرن السابع قبل الميلاد حصل الميديون على إستقلالهم وشكّلوا إمبراطورية ميديا وضمت اول وحدة للقبائل الكردية وكان فرورتيش (665 – 633) قبل الميلاد أول إمبراطور و جاء بعده إبنه هووخشتره.
هناك اعتقاد ايضا لدى الأكراد المعاصرين ان الميديين هم النواة التاريخية للامة الكردية، وهو ما يظهر في النشيد الوطني الكردي، وان الشعب الميدي كان عشائر كردية تقطن شرقي بلاد آشور، حيث حدود موطنها تمتد الى جنوبي بحر قزوين، وان لغة الميديين كانت لغة الشعب الكردي الحالي نفسها او كانت على اساسها على الاقل، وبزوال دولة الميديين حدث انصهار مادي وادبي بين الشعب الميدي والشعب الفارسي.
تعدّ اللغة الكردية لغة شفهية تعبيرية بدون ابجدية خاصة في البداية، وهي تتميز بكونها لغة تركيبية مزجية علی خلاف اللغات الاشتقاقية كالعربية مثلا. وتضم اللغة الكردية الآن، كلمات ومفردات كثيرة من العربية والفارسية والتركية وتنقسم الى لهجتين رئيستين هما: الكرمانجية والبهلوانية، ويتفرع منهما ما يقرب من ١٨ لهجة محلية، وعلى رأس هذه اللهجات: اللهجة البهدينانية واللهجة السورانية والكورانية واللورية في ايران والعراق، ويعود السبب في هذا التنوع الي العامل الجغرافي حيث الطبيعة الجبلية لمناطق الانتشار السكاني الكردي والتي حالت دون امتزاج وانصهار الكيانات الكردية في بوتقة الوطن الواحد، وكذلك العامل السياسي في عدم وحدة الشعب الكردي بوطن واحد، كما مارس بعض السلطات المحلية في الاوطان التي عاش بها الكرد عبر التاريخ اجراءات تعسفية لمنع التحدث باللغة الكردية بين المواطنين الاكراد على اراضيها!
كانت اللغة الكردية قبل الاسلام تكتب بالحروف الابجدية للامم المتاخمة كالفارسية، وذلك بحكم سيادة الديانة الزرادشتية وكتابها المقدس (الٲفیستا) للأقاليم الإيرانيه وبها الاكراد، ويذهب بعض الآراء الى الزعم أن كتاب «الآفیستا» المقدس لدى الزرادشتية قد سطّر باللغة الميدية. الا انه بعد ظهور الاسلام اصبح ادباء الكرد يكتبون ابجديتهم باللغة العربية بعدّها لغة القرآن الكريم، غير ان الحروف العربية كانت عاجزة عن تلبية تلك الصوتيات الموجودة في اللغة الكردية لذا فكان من الطبيعي ان يضيف الاكراد إليها حروفاً من ابتكارهم.
وكانت اول محاولة لوضع ابجدية كردية مستقلة بوساطة رائد الصحافة الكردية «جلادت امين عالي بدرخان» والذي وضع الابجدية الكردية المعاصرة باستبدال الاحرف العربية باللاتينية كي تستوعب جميع الألفاظ الموجودة في اللغة الكردية.
كانت بداية النشاط اللغوي الكردي في العصر الحديث اذا نحينا الجهود الاستشراقية جانبا مع اول معجم كردي عربي وضعه مفتي الدولة العثمانية في ارضروم السيد يوسف ضياء الدين باشا المقدسي، والذي حمل اسم « الهدية الحميدية» نسبة للسلطان عبد الحميد اثناء حرب العثمانيين مع الروس، وهو من الأعمال المجيدة التي لا ينكر فضلها في التعريف باللغة الكردية ووضع المنهجية الاولى لها. وكان مقداد بدرخان بمساعدة اخيه عبد الرحمن اول من اصدرا صحيفة كردية باسم (كردستان) بالقاهرة ١٨٩٨، وكانت منبرا حرا للتعبير عن الآراء الكردية والفاعليات الثقافية للاكراد بمصر، ونظرا لنشاط الصحيفة في الهجوم علي السلطان العثماني عبد الحميد ورموز نظامه واتساع نشاطها وشهرتها بين الاوساط الثقافية، فقد طالب العثمانيون السلطات المصرية انذاك بتسليم مقداد لها، مما اضطر الأخوين لنقل نشاط الصحيفة الى اوروبا. ولا يمكن ان ننسى فضل المفكر الكردي العظيم محمد كرد علي والذي اسس لاول مجمع للغة العربية في العالم العربي بدمشق، فكان حائط الصد ضد هجمات المستشرقين علي الهوية العربية. كما قام كاميران بدرخان بنشر تفسير للقرآن الكريم باللغة الكردية ونقل الاحاديث النبوية الشريفة الي اللغة الكردية كما ترجم رباعيات الخيام الى الكردية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.