سلاماً سيدي أبا جعفر

التاسع من نيسان في العراق ، يوم لا يمكن ان يكون كباقي الأيام في ذاكرة كل من يمت بصلة في الدلالة الإنسانية والثقافة المعرفية والمكوّن الوطني وكل من ينتمي للذات المحترمة وقدسية ارتباط المرء بالتربة التي يولد بها والرحم الذي يحتويه ملاذاً طاهراً حتى يرى نور الأرض المثقلة بمتناقضات الدهر وعواصف الأهواء وصراع الإرادات . في التاسع من نيسان اطفأ الطاغوت المقبور شمعة كانت أملاً ومناراً للحائرين من ابناء العراق والأمة حين ارتكب جريمته الكبرى بإعدام فيلسوف العصر والمرجع المجدد والمفكر الإسلامي السيد الشهيد محمد باقر الصدر الذي كان ولم يزل وسوف يبقى نبراساً للباحثين عن الحقيقة والرقي والساعين لانتشال الأمة من محنة وتداعيات الفشل المتراكم والنهوض بها بكل مكوناتها على حد سواء . في التاسع من نيسان كان إعجاز الله و وعده الحق في أن يكون لدم الشهيد الصدر حيث ارتقاء روحه الطاهرة الى الرفيق الأعلى هو ذاته يوم سقوط الصنم المشؤوم ويوم تنفيذ حكم الله والشعب والتاريخ به . كلما ولجت الكتابة عن السيد الشهيد محمد باقر الصدر تستوقفني المفردات حائرة مترددة فأي حرف وأي كلام اختار وكأن لغة البلاغة والثقافة والشعر والقوافي والبحور ولسان حال العرب تبدو شحيحة بخيلة لا تسعفني بمفردات ترتقي بي الى شواطئ هذا البحر العظيم الذي أمسى فخراً وافتخاراً لكل الأمة ومنبراً يسمو به كل من يدرك قدره أو يحبو على بعد من رمال فيروز شواطئه .. ماذا اقول عن رجل كان هو العراق كل العراق حيث مازالت كلماته تثير فينا بركان وحدتنا ومثابة وحدتنا وهو القائل (واني منذ عرفت وجودي في هذه الأمة نذرت نفسي من أجل السني والشيعي على السواء ومن أجل العربي والكردي والتركماني على حد سواء ومن أجل المسلم والمسيحي فأنا معك يا ولدي وأخي السني كما انا معك يا ولدي وأخي الشيعي ما دمتم معا تعملون من أجل العراق و وحدة العراق ونهوض العراق والارتقاء بالأمة) لقد استحوذ السيد الشهيد الصدر على القلوب قبل العقول والنفوس لعمله قبل علمه، ولتقواه قبل فهمه ولنزاهته وقداسة فكره قبل عبقريته . لقد استثمر الصدر رفعة ما وصل اليه في إحاطته بالمعارف والعلوم الفقهية والفلسفية والفكرية المعاصرة في التصدي للأفكار الإلحادية بمذاهبها المختلفة في خمسينيات القرن الماضي والتي كانت تركز على حرب المعتقدات الدينية واستطاعت حينها التوغل بين عقول الشباب مستغلة غياب المتصدي القادر على ردها فكان الرد الصاعق للسيد الشهيد الذي عارض الدليل بالدليل والحجة بالحجة عبر ابداعاته الفكرية التي احدثت ضجة في الأوساط الثقافية آنذاك وفي المقدمة منها ــ فلسفتنا سنة 1959م وما تضمنه ذلك الكتاب من دراسة دقيقة وموضوعية للأسس التي تقوم عليها الفلسفة الماركسية ودياليكتيتها ودحضها علمياً، ناهيك عن معالجته للمشاكل المتعلقة بالنظريات الاقتصادية في كتابه اقتصادنا فضلا عما كان يمثله كتابه المدرسة الإسلامية في مبحثين مهمين هما الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية وغير ذلك الكثير من مناهل الفكر التي لا مجال لحصرها بهذه العجالة . لابد هنا ان نشير الى دور الشهيد الصدر بالارتقاء بالمرأة للمقام الذي تليق بجلالة قدرها السامي حين انتج فكره النيّر اخته الشهيدة العلوية بنت الهدى بما حملته من ادب وثقافة وعلم وشجاعة وبما انعمت به على المكتبة السلامية من مؤلفات في الفكر والمسرح والاجتماع والرواية الهادفة مع الفقه والشريعة لتنال باستحقاق رحلة الخلود السرمدي مع اخيها الصدر الذن كان من الشجاعة في مواجهة الظلم والظالمين للحد الذي قال ان الأمة تحتاج الى دمي .. الأمة لا يوقضها إلا دمي وهو القائل إذا كنا لا نسع الناس بأموالنا فلماذا لا نسعهم بأخلاقنا وقلوبنا وعواطفنا ؟ أخيرا وليس آخر أرى لزاما علينا جميعا ونحن نحتفي بالسيد الشهيد محمد باقر الصدر ذكرى ومناسبة وفكراً ودلالة ونحن نعلق صوره في مكاتبنا ونزين بمؤلفاته مكتباتنا أن نسأل انفسنا ونسائل ذاتنا وضمائرنا عن مدى قربنا من الصدر فكرا وثوابت ونهجا وهل غدونا مصداقا لخشيته علينا وما سيؤول اليه حالنا اذا ما امتلكنا دنيا هارون . ؟ السلام عليك سيدي ابا جعفر يوم ولدت والسلام عليك يوم استشهدت وحلقت بروحك الطاهرة مع اختك العلوية الطاهرة بنت الهدى الى عليين مع الصديقين والسلام عليك يوم تبعث مع الصديقين والصالحين ورحمة الله وبركاته.

منهل عبد الأمير المرشدي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.