ذكريات صحفية عن الرئيس عبد السلام عارف

محسن حسين

عرفت الرئيس عبد السلام عارف منذ الايام الاولى لثورة 14 تموز 1958 التي قام بها مجموعة الضباط الأحرار وعلى رأسهم الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، الذي اصبح رئيسا للوزراء ووزيرا للدفاع والعقيد الركن عبد السلام عارف نائبا له ووزيرا للداخلية.
كنت قبل الثورة محررا في صحيفة الشعب احدى ابرز الصحف في العهد الملكي، وقد تم الاستيلاء على مطابعها في محلة السنك ببغداد لتصدر صحيفة الجمهورية حاملة اسم صاحبها عبد السلام عارف. ومنذ الايام الاولى للثورة بدأت علاقتي كصحفي به وبغيره من قادة الثورة، ثم أصبح رئيسا للجمهورية عام 1963 رافقته خلال تلك المدد في معظم جولاته في الألوية (المحافظات) وفي سفراته للخارج وخاصة مؤتمرات القمة العربية.
هنا اذكر حكايات متفرقة عن الرئيس لعلها تعطي صورة لشخصيته:
عندما كلمني غاضباً
من تلك الحكايات ان مديرا عاما، لي معرفة به وهو يعرف صلتي بالرئيس كان يقيم مجلس فاتحة على روح اخيه، اتصل بي ورجاني الاتصال برئاسة الجمهورية وابلاغهم بمجلس الفاتحة لكي يرسلوا موفدا عن الرئيس للتعزية حسب المتبع آنذاك، وعادة ينشر ويذاع خبر التعزية ضمن البيانات الرسمية.
لم اجد ما يمنع من تلبية رجاء ذلك المدير العام فاتصلت بسكرتير رئيس الجمهورية عبد الله مجيد وابلغته بمجلس الفاتحة، وان من المناسب إرسال مندوب عن الرئيس للتعزية. ويبدو ان الرئيس كان بالقرب منه، فلما سمع بالطلب اخذ سماعة التلفون وكلمني بحدة فاجأتني قائلا «هل تريدني ان اعزي شخصا تم قتله متلبساً بجريمة»؟!
فوجئت بغضب الرئيس واعتذرت باني لا اعلم شيئا عن الموضوع، فقال «لا يجوز هذا، لا بد ان تعلم وانت صحفي، فكيف تطلب من رئيس الجمهورية أمرا لا يمكن ان يقوم به رجل مسلم؟».
وادركت فيما بعد الورطة التي وقعت بها وان عبد السلام المتمسك بالدين والأخلاق كان على حق.
عندما ماتت الوحدة
هذه حكاية طريفة عن (الوحدة العربية) التي كانت الشغل الشاغل للعراقيين منذ ثورة 14 تموز 1958 وفي سبيلها او لمناهضتها سقط الآلاف من القتلى والجرحى وخسائر مادية لا تعد ولا تحصى، وانتهت تلك المعارك الى النهاية البائسة مشاريع التقسيم للكيانات الموجودة بدلا من توحيدها.
عندما كان الرئيس عبد السلام عارف رئيسا للجمهورية صادف ان سائق سيارة في وكالة الانباء العراقية واع يدعى (خماس سفيح) رزق بثلاث توائم بنات اطلق عليهن اسماء (وحدة، حرية، اشتراكية) وفي حينه نشرنا الخبر ضمن أخبار الوكالة فاتصل الرئيس بنا ومنح السائق هدية.
في اليوم التالي اتصل الرئيس هاتفيا وسألني عن وضع التوائم فقلت له «للأسف توفيت إحداهن»، فما كان من الرئيس حتى قال: اكيد اللي ماتت هي الوحدة!
جواز دبلوماسي للصحفيين
أيام زمان كنا نحن الصحفيين موضع احترام السلطة وتقديرها وأذكر انني (وربما غيري من الزملاء) منحوا (جواز سفر دبلوماسي) بأمر من الرئيس عبد السلام عارف لحضور مؤتمر القمة العربي الأول في القاهرة عام 1964، وكذلك لحضور مؤتمر القمة العربي الثالث في الدار البيضاء عام 1965، وتم ايضا عند مرافقتي لرئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز الى تركيا في حزيران عام 1966، وكذلك عند مرافقتي للرئيس عبد الرحمن عارف لإيران عام 1967.
وكان الجواز الدبلوماسي محترما لا يمنح إلا الى عدد من الشخصيات وليس لكل من هب ودب (شعيط ومعيط وأقارب شعيط ومعيط) كما هو الحال الآن.
أحلامه تتحقق
من أطرف الذكريات عن الرئيس عبد السلام محمد عارف ما رواه أمين هويدي سفير الجمهورية العربية المتحدة في بغداد في ذلك الوقت عن محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها عارف عبد الرزاق الذي كان رئيسا للوزراء ووزيرا للدفاع وقائد القوة الجوية خلال وجود الرئيس في المغرب، لحضور مؤتمر القمة العربية الثالث عام 1965. يقول امين هويدي كان عبد السلام عارف يؤمن بالأحلام، وقص عليَّ الكثير منها في المناسبات المختلفة، ولما علم بخبر الانقلاب رأى في غفوة نوم أقرب إلى اليقظة كافة التفصيلات، وأملاها كما حدثت لمرافقه العميد زاهد محمد صالح قبل وصول أية تفصيلات عن الموضوع، وظهر أن ما أملاه كان مطابقا لما كان يرد من معلومات.
هددني بغلق الوكالة
في عام 1965 زار الرئيس عبد السلام عارف الشمال حيث كانت تجري معارك مع الاكراد الذين يحملون السلاح مطالبين بحقوق بدأت من حقوق ثقافية الى الحكم الذاتي الى حلم الدولة الكردية.
مع هذا الموضوع صورة للرئيس عبد السلام عارف في الطائرة وكان عائدا من جولة تفقدية للقطعات العسكرية عام 1965 يقرأ الصحف مسرورا بما كان يظنه النصر النهائي والى جانبه وزير الدفاع اللواء محسن حسين الحبيب.
قبل ان يصعد للطائرة من كركوك كما اذكر اتصل هاتفيا بوكالة الانباء العراقية حيث كنت أعمل. كان منزعجا للغاية وقال لي «ساغلق وكالتكم هذه»! حاولت ان افهم فسألته عن سبب انزعاجه فقال «انتم أذعتم خبرا عن هجوم قام به ثوار فيتنام على أحد المطارات. انتم بهذه الاخبار تنبهون العصاة ان يفعلوا الشيء نفسه ويهاجموا المطار الذي انا الان فيه»! اعتذرت للرئيس وقلت له «لم يخطر ببالنا ان الاكراد يسمعون ذلك الخبر ويفعلون ما فعله الفيتناميون».
وللتوضيح ان الوكالة في ذلك الزمان ومنذ تأسيسها عام 1959 تعد كل نشرات الاخبار للاذاعة وتسلم النشرة مطبوعة للمذيعين دون تدخل من ادارة الاذاعة استنادا الى قرار من مجلس الوزراء بان تكون الاخبار مركزية وتصدر فقط من الوكالة.
ولما عاد الرئيس بسلام الى بغداد نس التهديد بغلق الوكالة محتفلا بما انجزه الجيش في المعارك اضافة الى الخلافات بينه وبين التكتلات القومية.
وللتاريخ اذكر ان عبد السلام عارف حاول التوصل الى حل شامل للقضية الكردية سلميا وعقد سلسلة من الاجتماعات مع القادة الاكراد.
وفي شباط 1964 أصدر بيانا لوقف جميع العمليات العسكرية والشروع باجراءات لمنح الاكراد حقوقهم الثقافية. حيث اتفق عارف مع عدد من القادة الأكراد سياسيين وعسكريين وبضمنهم القائد الكردي الملا مصطفى البارزاني على حل شامل للقضية الكردية فتمخضت المفاوضات عن إعلان اتفاق عام 1964 يتضمن منح الاكراد الحقوق الثقافية والمساهمة في الحكم وانجازات اخرى، الا ان التيار الانفصالي في الحركة الكردية حال دون إتمام كل الانجازات فاستمرت الدولة باجراءاتها بمنح الحقوق للأكراد بمعزل عن بارزاني، للحد الذي وصل للاقتتال المسلح بين الطرفين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.