بغداد و شعلة الصدرين بين أمرين

ذكريات الأمس كثيرة متعددة في أحداثها متنوعة في شجونها وأفراحها وأشكالها ومحتواها إلا ان لبغداد في الوجدان ما يجعلها سيدة الذكريات منذ ولادتي في مدينة الكاظمية حتى يومنا هذا وأنا مازلت أعيش في بغداد متمسكاً بها متشبثاً بآهاتها ولوعاتها وماضيها بكل جماله وخوفه ورعبه وغرائبه وحاضرها بكل ما فيه من مأساة وقلق ومجهول وظلام وضباب. لقد كنا صغاراً أيام ما كنّا نتلذذ بوجبتنا المفضلة عند العم ابو سامي (ابو الفلافل) وهو يغطس ربع صمونة في معجانة العمبة لنأكلها على وقع ما يسيل منها على الحنك والرقبة حتى يرسم خطوط لوحة تشكيلية فوق الصدور على قمصاننا البالية عنوانها البؤس الممزوج بالفطرة والطيبة والبساطة ونقاء الذات . منذ تلك الايام ونحن نحفظ أحاديث شريفة وحكماً وأقوالاً مأثورة خطت على جدران المدارس واستوطنت الذاكرة ومنها الحديث القائل أزرع ولا تقطع والنظافة من الإيمان وتنظفوا فأن الإسلام نظيف . كنت في مدينتي الشعلة التي انتقلنا اليها من الكاظمية في نهاية ستينيات القرن الماضي فكانت مدينة الشعلة التي شاءت الدنيا ان ينقلب فيها الحال رأساً على عقب أمسى التعامل فيها مع هذا الحديث ومحاسن القول مقلوباً هو الآخر وبقياس 180 درجة .. فبعد الجهد الكبير لمديرية البلدية والكوادر الهندسية والعاملين في قسم الزراعة في كل انحاء المدينة وساحاتها، إذ استطاعت ان تجعل من تلك المشاهد البائسة بما فيها من الأتربة والنفايات ومجمعات السكراب والمياه الآسنة بمثابة واحات خُضر مزدانة بالأشجار والزهور والنافورات وكل ما يسرُّ الناظرين فضلا عن الألعاب راحة للعوائل وملاعب الشباب وغيرها ما لم يكن في البال لأهل مدينتي حتى ولا في الأحلام . كذلك الحال للجزرة الوسطية للشارع العام ابتداءً من مدخل المدينة التي يكاد يكون الأجمل والأروع بين مداخل أحياء بغداد (عن بكرة ابيها) وصولا الى نهاية المدينة فقد زرعت بأشجار النخيل والزينة واكتست الأرضية بالثيّل الأخضر وهو ما شكل مشهداً جميلاً يريح النفس يمكن من خلاله معرفة مدى الجهود الكبيرة والأموال الطائلة التي سخّرت من أجله ولكن وآه لما بعد هذه اللكن وكما يقول المثل الشعبي حاميها حراميها فبدلا من ان يحافظ ابناء مدينتي على هذا المنجز الكبير ويشعروا بقيمة النعمة الإلهية التي حلّت عليهم ويكونوا عيوناً للحفاظ عليه راحوا يناقضون حديث النظافة من الإيمان ويرفعون شعار أقطع ولا تزرع قولاً وفعلاً وتحولت الجزرة الوسطية الى مقاهٍ مفتوحة تباشر عملها ابتداءً من غروب الشمس حتى شروقها لتناول الآركيلة من قبل الفتيان والصبيان والشباب كما حول ((أصحاب)) هذه المقاهي أشجار النخيل الى أعمدة لتعليق الشاشات ولوحات الدعاية لما يقدمون من مأكولات ومشروبات ومرطبات ومقبلات ومشهيات فضلا عما يتلقى رواد هذه المقاهي من المواعظ المترجمة والنصائح المبرمجة والتزوّد بالمعلومات عن آخر ما تم التوصل اليه من أنواع المعّسل ومدى استيعابه لجميع أنواع ((الفيتامينات)) التي تريح النفس وتحّلق بأصحابها الى عالم الملكوت الطوبائي لينضموا الى قائمة رواد الفضاء ويدخلوا التاريخ من أوسع آركيلة .. المشكل في الأمر ان البعض من رواد هذه المقاهي يرى نفسه غير ملزم بتعليمات الدائرة البلدية كما انه غير معني بنظافة مدينته وجماليتها وكأنه لا يعيش فيها ولا يعنيه أمرها بل ويبرر لنفسه ما يقوم به من قطع للنباتات وتدمير للحدائق جنباً الى جنب مع قطعان الماشية التي تعيث في المزروعات فساداً دون ان يجرؤ اي كان من منعها فلكل قطيع حسب ونسب ومن يؤذي مشاعر أي خروف أو تحارش بنعجة فقد يقام عليه الحد فوراً وفي مكان الجريمة ولا يحصل حتى على ساعة (عطوة) … كما انه لن يشمل بأي قانون للعفو كما هو حال المجرمين والقتلة .
بقي ان أقول ان أرصفة الشوارع صودرت لغرض أصحاب المحال وبعض مسؤولي التجاوزات ينطبق عليه المثل (يدري وسويكت) كما هو الحال في شارع قمر بني هاشم جكوك والرحمانية والجوادين . أخيرا وليس آخرا المفترض ان ننظر لهذا الأمر من جوانبه الأمنية والأخلاقية والمجتمعية اضافة الى تداعياته على الشأن الخدمي وجمالية المدينة. وهنا ينبغي ان تتحرك الجهات المعنية كل حسب اختصاصها والله من وراء القصد .

منهل عبد الأمير المرشدي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.