الشجرةُ المباركة .. معذبة وصابرة في العراق

يسود المشهد المحلي منذ سنوات عدة غضب شديد وانتقادات لاذعة بحق إدارة الزراعة والحكومات المحلية إزاء تردي واقع زراعة النخيل وإنتاج التمور في بلادنا، بالإضافة إلى ما حظي به هذا الموضوع الحيوي من مؤتمراتٍ وندوات وبحوث ودراسات وساعات تلفزيونية وإذاعية وفعاليات إعلامية وتقارير وتحقيقات صحفية تنحى بمجملها صوب البحث في مجموعة المشكلات التي ساهمت في التأثير بواقع زراعة هذه الشجرة المعطاء التي أقل ما عرف عنها هو تصدرها منذ عقود طويلة موائدنا في الشهر الفضيل، فضلاً عن استشراف الآفاق المستقبلية لصناعة إنتاج التمور، إذ أجمعت تلك النشاطات على ضرورة تبني الجهات المعنية بأمر عمتنا النخلة استراتيجية وطنية شاملة تعنى بوضع الأسس السليمة لحمايتها وتقليص التراجع في أعدادها سعياً في محاولة إعادتها لساحة الاقتصاد الوطني.
من المعلوم أنَّ بلادنا اشتهرت بهذه الزراعة المباركة حتى أصبحت النخلة أحد رموزنا الوطنية، إلا أنَّ العقدان الأخيران من القرن الماضي شهدا تراجعاً كبيراً في أعدادها، فالنخلة التي كانت فيما مضى حاضرة حتى في درس مادة التربية الفنية بمدارسنا الابتدائية، أُجبرت عشرات الآلاف من أفضل أصنافها منذ حرب الخليج الأولى على الرحيل وهجرة أرض الرافدين بعملياتٍ تهريب منظمة إلى بلدانٍ المنطقة التي غدت أراضيها الصحراوية واحات خضراء بفضل المهرب من نخيلنا. ولم تكتفِ مطحنة أولى حروب النظام السابق العبثية بتغييب الإنسان وحرق أمانيه وتطلعاته المشروعة، بل امتد جنونها إلى بساتين النخيل كما البنى التحتية، إذ عمدت السلطات الحكومية حينئذ إلى إزالةِ مساحات كبيرة من بساتين النخيل، وبخاصة في جنوبي البلاد بدعوى حاجة العمليات العسكرية، الأمر الذي أضاف هماً جديداً لسيدة الشجر بعد أن كانت تتأوه بفعل ما حرق من جذوعها وما أفقد سعفها نضارته.
لعلَّ المذهل في الأمر أنَّ ما تعاقب من الإدارات الزراعية بعد التغيير السياسي عام 2003م، واجهت ما يسود هذا القطاع من اضطراب وفوضى وتجاوزات بشعة بسياساتٍ مرتجلة ارتكزت على القصور في المعالجة، إذ ركنت إلى اعتماد الخطب الرنانة في مواجهة تزايد النشاطات الخاصة بتجريف بساتين النخيل، واكتفت كوادر تلك الإدارة بالتفرج على حوادث الحرق التي تعرضت لها بساتين النخيل في مناطق مختلفة من البلاد، مع العرض أنَّ إدارةَ الزراعة تدرك قبل غيرها عدم فاعلية تأثير الخطب في مواجهة أزمة وطنية بهذا المستوى، إذ أنَّها لا تسمن ولا تغني من جوع إن لم تصاحبها مواقف جادة تفضي إلى تفعيل جملة التشريعات القانونية النافذة المعنية بالحفاظ على ثروات البلاد ومواردها، بالإضافة إلى السعي الحثيث من أجل إعداد ما يقتضي من القوانين الجديدة التي بوسعها وقف ما تعانيه زراعة النخيل في الوقت الحاضر من تدهورٍ وتراجع في أعدادها، إلى جانب تعزيز القوانين المذكورة لما يفترض أن ترسمه من خطط وبرامج واعدة لتنمية زراعة النخيل في العراق والمحافظة على ما موجود من بساتينها.
في أمان الله

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.