التزكية والشكر

المرجع الديني السيّد عبد الأعلى السبزواري
قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة:151..وأصل الزكاة هو النموّ الحاصل من بركة الله تعالى، سواء أكان في الأمور الدنيوية، أم الأخروية، أم هما معاً، وقد استُعملت في القرآن الكريم بأنحاء شتّى:فتارة تضاف إلى الله عزّ و جلّ، قال تعالى: ﴿..بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ..﴾ النساء:49.َ.وأخرى إلى نبيّنا الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم كما في المقام ﴿يزكّيهم﴾..وثالثة: إلى ذات الفاعل، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ الشمس:9-10. وهذ شأن جميع الصفات ذات الإضافة..والتزكية هي الطهارة والتقديس عن الأدناس والأرجاس الظاهرية، أو الرذائل المعنوية، سواء كانتا بالنسبة إلى النفس كما في بعض النفوس السعيدة ممّا يفيض عليها اللهُ تعالى على نحو الاقتضاء، كما قال تعالى: ﴿..غُلَامًا زَكِيًّا﴾ مريم:19، أم بالنسبة إلى الأعمال والأفعال..والرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم هو المَثل الأعلى في التزكية بجميع مراتبها، والقدوة الحسنة في الأخلاق الفاضلة والسجايا الكريمة، لا يدانيه أحدٌ ولا يجاريه فرد، ولقد جاهد في تزكية أمّته بدينه وتعاليمه وتشريعاته وبنفسه الشريفة، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الأحزاب:21، وتطهيرهم من رذائل الأخلاق وسوء الاعتقاد، فإنّ بالتزكية يتخلّى الإنسان عن الرذائل والخبائث، ويتحلّى بالفضائل، فهي التربية العملية التي لها الأثر العظيم في مطلق التربية والتعليم وترتّبُ التزكية على التلاوة من قبيل ترتّب المقتضى على المقتضي، وقد يكون من قبيل ترتّب المعلول على العلّة التامّة كما في بعض النفوس المستعدّة ثمّ إنّه تعالى قدّم التزكية على التعليم في هذه الآية الشريفة وأخّرها عنه في دعاء إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: ﴿..وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ..﴾ البقرة:129 ولعلّ الوجه في ذلك أنّ للتزكية مراتب كثيرة، منها الإرشاد المحض وإتمام الحجّة، ومنها التخلّي عن الرذائل، ومنها التحلّي بالفضائل، ومنها التجلّي بمظاهر الأسماء والصفات الربوبية، ولكلّ واحدة منها درجات، فيُحمل ما قُدّمت فيها التزكية على بعض المراتب، وما أخّرت فيها على البعض الآخر..وقال تعالى:﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾، لأنّ بالتعليم يرتقي الإنسان من أدنى درجات البهيمية إلى أقصى درجات الإنسانية، فقد كان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم المعلّمَ الهادي لأمّته، يبيّن لهم ما انطوت عليه شريعته، وما اشتمل عليه كتابه الكريم من الأسرار والمعارف الربوبية وقال تعالى: ﴿وَالحِكْمَةَ﴾، فإن قلنا بمقالة الفلاسفة من أنّ الحكمة تارةً علمية، وهي العلم بحقائق الموجودات بقدر الطاقة البشرية، وأخرى عمليّة، وهي صيرورة الإنسان أكبر حجّة لله تعالى في خلقه، فإنّ عظمة مقامها معلومة لكلّ أحد وإن قلنا بما يستفاد من الكتاب والسنّة المقدسة -وهي متابعة الشريعة أصولاً وفروعاً، ومعرفة حجّة الله على الخلق- فالأمر أظهر وأبين..وقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾، بفهم أسرار الكتاب العظيم وأخبار الأمم الماضين والعلوم التي تهمّكم وتزيد في علومكم، وتكون سبباً في تهذيب نفوسكم ممّا لم تكونوا تعلمونه سابقاً وهذ الآية على اختصارها تحتوي على أصول التربية والتعليم بالترتيب الذي أراده القرآن العظيم ابتداء بالتلاوة والتذكّر بآيات الله تعالى، ثمّ تزكية النفس من الرذائل وتحليتها بالفضائل لتستعدّ لإفاضة العلوم عليها، ثمّ التعليم، ثمّ معرفة الأشياء بحقائقها والعمل بما عرفه، كلّ ذلك من طريق الشرع المبين وعليه ترجع التلاوة والحكمة إلى الكتاب الذي هو القرآن العظيم، فإنّهما وإن اختلفا في المؤدّى ولكنّهما متّحدان مصداقاً لكن الكتاب يظهر بأطوار مختلفة..وإنّ الشكر من أجَلّ الصفات الحسنة، ومن أرفع مقامات العبودية، وهو أن يكون من المخلوق للخالق، وقد رغّب إليه الكتاب والسنّة المقدسة ترغيباً بليغاً بأنحاء مختلفة بأن أضاف الشكر:تارة إلى نفسه، قال تعالى: ﴿..أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ لقمان:14، وقال تعالى: ﴿..وَاشْكُرُوا لِلَّهِ..﴾ البقرة:172، إلى غير ذلك من الآيات المباركة وأخرى إلى نعمه، قال تعالى: ﴿..وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ الله..﴾ النحل:114، وهو يرجع إلى الأوّل، لأنّ كلّ ما بالعرَض لا بدّ من أن ينتهي إلى ما بالذات .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.