شهر شعبان وبرنامج التخلص من الأرانب !

في زمن مضى؛ ذلك الزمن الذي يطلق عليه جيل الأغبياء اليوم إسم الزمن الجميل، كانت قلّةٌ من العراقيين ينشدون أغاني الحرية، يومذاك كنت ما أزال طالبا جامعيا، أتعشق الطهر والنقاء، إلتقاني صديق يحبني؛ قال لي بنبرة الحريص عليَّ: لِمَ أنت وصاحبك «سيد محسن» تكرهان صدام؟! ألا تعرف أن من يكره صدام تتبرأ منه حتى ثيابه؟! ثم هل بالإمكان تغييره؟ وإذا تمَّ تغييره ما البديل؟!
«سيد محسن» الذي لن أنساه قط؛ كان أول من دلّني على طريق الحرية، لكنه تركني مبكرا؛ وذهب الى النجف الأشرف؛ وفي رقبته حبل مشنقة، الحقيقة كان «صديقي الحريص»؛ على حق في مخاوفه وشكوكه، فعقله وحدود تصوره؛ توقفا عند حد أن لا بديل لصدام.
يومها سألت «صديقي الحريص»؛ أ ليس صدام طاغية؟ أجابني؛ طبعا هو طاغية وقاتل! قلت له إذن بديله هو من ليس بطاغية! أطرق مفكرا للحظات، ثم أفاق عن «صفنته»متسائلا؛ مثل من؟ قلت له: مثلك أنت!
بصرف النظر عن حقيقة كون صدام من زمرة الأشرار، وليس بالإمكان حشره في صف الأخيار، إلا أنه كان شخصية أكبر من حقيقته، الشيء الذي جعل تفكير كثير من العراقيين؛ لا سيما غير المشتغلين بالحقل السياسي، لا يتصور بديلا له، وحينما يطرح سؤال ما البديل؟ كانت الإجابة بحاجة الى خيال جريء يقرأ ما وراء فهم السائل، وحتى حينما يتوفر مثل هذا الخيال، كانت ألإجابة تنتهي الى مثلما أجبت صديقي.
كان سؤال ما البديل؟! لا تخرج إجابته إلا من جوف النظام القائم، فالرئيس هو إما صدام، وإما شخص يشبهه من بين أعوانه، وهذا غير موجود على الإطلاق..سؤال ما البديل الأجوف؟؛ يتكرر اليوم على ألسن كثيرين: أي ما البديل لأي مسؤول حكومي ولأي مستوى؟.
جميعنا نعي بأن المجتمعات التي تربط مستقبلها بالأشخاص، غير قادرة على حمل رسالة حضارية من أي نوع، إلا أن حكاية ليس بالإمكان أحسن مما كان، ما زالت تمسك بتلابيب مستقبلنا، تريد أرنب خذ أرنب، تريد غزال خذ أرنب!
منهجية السياسة هنا في العراق، وفي الشرق عموما؛ تبنى دوما على الشخصيات، أكثر من أن تبنى على التقاليد والمؤسسات، وما زالت السياسة مثقلة «بالروح بالدم نفديك يا زعيم»، كتقليد ورثناه من تراثنا بالدعاء للأمير؛ في ختام صلاة الجمعة..وهو ذاته التراث الذي يعدّ الأوضاع القائمة؛ مجدا قائما بذاته، وأن ليس بالإمكان أحسن مما كان، بعملية استخلاف محدودة الرؤى والخيارات، ولا تعطينا غير الأرانب..!
كي نتخلص من الأرانب! يتعين أن نفهم أن اختيار من نوليه أمورنا، هو عملية تجديد ضرورية؛ نصلها وفق الشروط التي كان القرآن الكريم واضحاً جدا في إيصالها لعقولنا نصا صريحا: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض»، وما دمنا نؤمن بالقرآن جملة وتفصيلا، وليس على طريقة ولا تقربوا الصلاة، يتعين أن ننظر الى الأمر، كتكليف لا ينبغي أن يعامل بخفة واستهانة، بل يجب أن ينظر إليه بالجدية الخليقة، بشعب يطمح إلى النهوض بعد الإنعتاق.
كي نتخلص من الأرانب! يتعين أن نبذل جهدا تربويا عظيما، تنساق فيه الآراء والمواقف والبرامج، إزاء كل قضايا حياتنا الإجتماعية والسياسية، ونشخص مشكلاتنا، ونتداول الرأي حول معالجاتها، بعملية تعبئة سياسية اجتماعية، تمكننا بالنهاية، من تجديد النظر في ذاتنا وتنمية وعينا وتعزيز قيمنا.
كلام قبل السلام: شهر شعبان المعظم، وولادة النور الإلهي المنقذ فيه، وسيلة فعالة لإنجاز برامجنا التعبوية، نحو دولة العدل الإلهي!
سلام…

قاسم العجرش

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.