شذرات من ماضينا

ليس بالأمر المفاجئ القول إنَّ الحضارةَ السومرية – التي قامت في مطلع الألفية السادسة قبل الميلاد على أديم القسم الجنوبي من العراق القديم الذي عرف ببلاد سومر – تُعَدّ من الحضارات الإنسانية المبكرة التي قدمت الكثير من الإنجازات المهمة إلى العالم. ولعلَّ ما يؤكد ذلك هو جملة النصوص السومرية التي كشفت عن جوانب مهمة من منجزات السومريين التي ساهمت بشكلٍ فاعل في وضع لبنات الحضارة الإنسانية الأولى، والتي من أبرزها اختراع الكتابة, الاهتمام بالزراعة، صناعة الفخار، العمارة، صياغة القوانين، اكتشافات في ميادين الطب والكيمياء والرياضيات والفلك، الإبداع في مجالات الفنون والآداب، ازدهار التجارة والصناعة وغيرها من المظاهر الحضارية الأخرى التي أبهرت علماء الآثار في العصر الحديث. ولعلَّ ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أنَّ اختراعَ السومريين الكتابة كان في مقدمة العوامل المهمة التي أرست موجبات نهضة الحضارة السومرية بفضل حيوية دور الكتابة في استمرارها وتدوينها. ومن المهم الإشارة هنا إلى أنَّ اهتمامَ السومريين بالكتابة أفضى بحسب العديد من الباحثين إلى المساهمة في تعزيز لغتهم التي أطلق عليها بعد تعميمها اسم السومرية نسبة إليهم . وقد وصل تجسيد السومريين حبهم للكتابة إلى شغفهم في إقامة تماثيل حجرية تخص كتاب قدماء يمسكون بأقلامهم، حتى أنهم ظلوا مدداً طويلة يطلقون على هذه التماثيل أسماء آلهة قديمة.
في الإطار ذاته، يرى العديد من المتخصصين أنَّ المستوطناتَ البشرية بمفهوم المدينة يعود ظهورها لأول مرة في تاريخ البشرية إلى عهد الحضارة السومرية، إذ نشأت مدنها بداية على شواطئ دجلة والفرات وروافدهما، ثم ما لبث أن تطورت لتظهر إلى الوجود أولى المدن والمراكز الحضارية في العالم التي شهدت أمكنتها أولى محاولات الإنسان صوب المعرفة التي شكلت اللبنة الأساسية التي شيدت عليها الحضارة العراقية القديمة فيما تلاها من العصور، إذ ساهمت بشكلٍ فاعل في بلورة ونضج ما تبناه أبناء العراق حينئذ من أفكارٍ في مختلف فروع المعرفة، حتى كبرت إنجازاتهم الإبداعية ولم تَعُدّ أسيرة بيوت السومريين فحسب بعد أن تفتحت أزاهيرها وانتشرت رويداً رويداً في معظم أرجاء العالم، ما يؤكد أنَّ بلادَ الرافدين شهدت إقامه أولى المراكز الحضارية في العالم على أرضها مخلفةً تراثاً عريقاً، إذ اهتم السومريون بعد استقرارهم في المدن العراقية بزراعة مختلف أنواع الحبوب وشرعوا بإنشاء البساتين، بالإضافة إلى تطوير أنظمة السقي بطريقةٍ ما تزال مستخدمة حتى عصرنا الحالي في بعض بلدان العالم، الأمر الذي ساهم في تحول أراضي بلاد سومر إلى مناطق خضراء. ويشير بعض أساتذة حضارات الشرق القديمة إلى أنَّ الحضارةَ السومرية شهدت تميزاً وتفرداً في مجال الزراعة التي تُعَدّ إحدى مقوماتها الرئيسة، حيث كان من شأن هذا التميز المساعدة على إتقان شعب سومر تربية المواشي والأبقار التي كانت لا تنفصل عن الزراعة كثيراً، وإنما ترتبط بها ارتباطا.
في أمان الله.

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.