دراسة نقدية موجزة لقصيدة الأديب غازي أحمد الموسوي «مونولوج»

إحسان الموسوي البصري

في خضم تكاثر القصائد الخرساء التي تعاني من الاحتباس اللغوي والتي لا تستجيب لكل المعطيات الفنية والأدبية الضرورية، أجدني أمام نادرة من النوادر الدافقة بالسمو الروحي النابض بالشعور بالحياة، وخريدة نفيسة من خرائد الزمن الشعري الحالي.
فهي تمثلُ نتاجاً شعرياً مركزاً ووجوداً ابداعياً غير محدود بالزمن من خلال سمة الخلود التي ستكتسبها لما تضمنته من نضج في فكري وفني ولغوي.
فالباحث في هذه القصيدة التي لها دين كبير في عنقي يتعلق ببدايات مسيرتي الشعرية شخصياً، كأنه يلج ملحمة استشهادية كبرى من خلال ذكر المسيرة الجهادية التي انفرد بها سبط النبي (ص).
ويظهر الجانب التسجيلي لأحداث هذه الملحمة أهم الصفات المثالية لهذا الرجل العظيم ، مع الإحاطة بأهم الأحداث الدلالية التي أظهرت لنا تكامل مهيب لصورة شعرية تستحق الوقوف أمامها والتأمل فيها مليا.ولغرض تعميق هذه الصورة التي تحدثت عنها فقد استفاد الشاعر من طاقات اللغة الصوتية أيضا، مستثمرا مزايا حرف الهاء ـ وهو حرف حلقي مهموز رخو صعب المخرج ـ في نهايات أبيات النص، إذ إن تكراره بكثافة يعزز الصورة بيانية التي تصوّر الحزن وكأنهُ استنكار الصحو من هول فاجعة الحسين (ع).
النص
مونولوج
أحَسِبْتَ
أنّكَ مُدْرِكٌ غاياتِهِ
لا.. والذي سوَّاهْ من آياتِهِ
أعْرِجْ.. إنِ
ٱسْطَعْتَ العُروجَ فلنْ ترى
إلّا النجوم تشع من ومضاتِهِ
أنّى لِمِثْلِكَ
أنْ يُقارِبَ مثلَهُ
والشعرُ مطلولٌ على راحاتِهِ
ولكَمْ هفا
ذو هِمّةٍ ودِرايةٍ
فهوى حسيرَ القلبِ عن مرقاتِهِ
هو صحصحانُ
الوعيِ ما بينَ الورى
بدمائهِ جدَّ الجديدُ وذاتِهِ
مَنْ قَبَّلَ
العرشَ المكينَ باسمِهِ
جَنْبَ النبيِّ وآلهِ وسُراتِهِ
هو ضيغمٌ
والصِّيدُ فضلُ صفاتِهِ
ومُعَفَّرٌ والشمسُ بعضُ رُواتِهِ
ما حامَتِ
الأفلاكُ حولَ ضريحِهِ
إلّا لِتبرقَ من خلالِ جهاتِهِ
هذا الحسينُ
ولستُ أوّلَ شاخِصٍ
عيناهُ عالقتانِ في مأساتِهِ
هذا المسيحُ
وكلُّ فادٍ راعِفٍ
في كلِّ عصْرٍ جدَّ مِنْ راياتِهِ
وكأنَّ قافلةَ
الدهورِ مواكبٌ..
تمشي على طولِ المدى برفاتِهِ
جفلَ الظلامُ
وما يزالُ الظالمو
نَ بخيفةِ المُرتاعِ مِنْ وثباتِهِ
ما أعظمَ
الفادي وأعظمَ موتِهِ
بطلٌ حَمَى سِفْرَ الهدى بحياتِهِ
فإذا الذينَ
استفردوه جميعُهم
نكِراتُ قبْرٍ وهْوَ في جنّاتِهِ
في هذا النص معانٍ ودلالات كثيرة، منها ذاتية تتصل بحوار الذات في إطار فني روائي متفرد، ومنها انسانية، ومنها اجتماعية تتصل بقيم البطولة العربية الإسلامية.
إذ ابتدأ شاعرنا أبياته ببداية رائدة تلهب احساس المتلقي بحوارية تنقل الاحساس من صورة الدمع الممزوج بالدم الى
أجواء التفكر والتأمل:
أحَسِبتَ
أنّكَ مُدركٌ غاياته
لا والذي سوَّاهُ منْ آياتِهِ
ففي هذا البيت تجلت صورة جلالة هذا الرجل العظيم بعد تجريدها من معناها الحسي وجعلها ذات معنىً روحيٍّ، بحيث أحاطت المتلقي بجو من الخشوع المشحون بعاطفة من التقديس والشعور بالمهابة من خلال خياله الخلاق القادر على خلق تلك المعاني العميقة التي تستفز العقل والاحساس معاً من اجل عدم الاكتفاء بالطقس المعتاد والعبور الى مناخ فكري تأملي عميق.
وهكذا نراه يحوم حول تلك المعاني المؤثرة لذات الغرض فوصف نور ذلك الرمز الديني العظيم في اطار صورة نستشف من خلالها غزارة علمه وتقواه.
أعرِجْ إنِ
اسطَعتَ العروجَ فلنْ تَرى
الّا النجومُ تشعُ منْ وَمَضاتِهِ
وفي صورة خالية من الإفتعال ظهر هنا الفن الشعري متجلياً مكتنزاً بجموح العاطفة.
فالموسوي هنا لم يتريث في صياغة هذا البيت الذي بدأ بفعل الأمر «أعرِجْ» ، بل استرسل في التحدي والتوغل والإجادة في وصف كنه وحقيقة هذا الرمز الذي وضع الفداء فاصلا بين الحياة والموت من اجل حياة خالدة في توطئة لبيان بعض خصاله السامية.
ويتعمق الشاعر في تصوير هذا الخطاب من خلال علاقة معاكسة بين الحسي والروحي بمعانٍ جديدة تنم عن ملكة تعبيرية واسعة لديه.
وبهذا يتوجه لحيز آخر لاقتناص المعاني الأكثر عمقا وتأثيراً في المتلقي والتي تنسجم مع خلود تلك الشخصية في تحدٍّ أكبر في الخطاب.
أنّى لمثلِكَ
أنْ يقُاربَ مثلهُ
والشعرُ مطلولٌ على راحاتهِ
وفي الحقيقة انني عندما قرأت هذا البيت بالذات تذكرت قول «الجاحظ» (انما الشعر صناعة وضرب من التصوير)، بحيث تمكن الموسوي من تجسيم الشعر او شخصنته حتى رأيناه مطلولاً كالمطر على راحات البطل.
بينما يوضح الشاعر الصورة اكثر وكأنه يتحدث عنها بما يقترب من المفهوم الحديث للشعرية المعاصرة، حد ان يولف بين الحياة والموت معا، وهذا هو شأن الخيال الذي يولد الصور الحية النامية.
ولما وصلت الى هذا البيت احسست أن الموسوي أراد أن يتركنا نحوم في فسحة من التأمل لغرض ادراك ما يميل اليه من الإيحاء ليبدو حاملا الفكرة بيد والهدف بيد أخرى.
ولكَمْ هفا
ذو همةٍ ودرايةٍ
فهوى حسيرَ القلبِ عنْ مرقاتهِ
ويستدرجنا شيئا فشيئا لمرحلة التصريح القادمة بكامل جزئيات الصورة البلاغية حينما يأخذ بأيدينا الى قراءة ما وراء السياق التعبيري:
هو صحصحان
الوعيِ ما بينَ الورى
بدمائِهِ جدَ الجديدُ وذاتهِ
حيث أيقنت عند ذلك بوجود قوة فكرية بلاغية فنية استطاعت أن توحد الفكر والشعور.
فأنا الآن أقف أمام زخم كبير متواصل من الموروث الأدبي الذي تلقاه عبر مسيرته الطويلة الحافلة بالإبداع المتجدد لنستلهم جمال هذه الصور الموروثة المتعددة الألوان عن طريق التضمين، أو عن طريق التوظيف والاستلهام من صور الموروث الأدبي بمعطيات فنية ايجابية غير داخلة في باب التكرار والتقليد، وانما أراد صوغ تلك المعطيات بصياغات متجددة حيث أكد ذلك في قوله:
مَنْ قَبَّلَ
العرشَ المكينَ باسمهِ
جَنبَ النبيِّ وآلهِ وسُراتهِ
فقد كان محور الصورة هو مزج فني بين اللغة الدلالية واللغة الإيحائية، ليرسم لنا شيئا جديدا، فقد كان محور الصورة هو مزج فني بين اللغة الدلالية واللغة الإيحائية، ليرسم لنا شيئا جديدا غير مألوف لدى العربي والأعجمي.
والفضل في إخراج هذه الصورة الشعرية الباهرة يعود الى عمق تأثر سيدنا الموسوي بالفكرة فصهر المعاني وأخرجها لتبدو أثرا فنياً ورؤيوياً وليس خطاباً دينياً محضاً.
ثم يعود بنا الى سوح الوغى وذرى المجد والبطولة حيث يقول:
هو ضيغمٌ
والصِّيدُ فضلُ صفاتهِ
ومعفَّرٌ والشمسُ بعضُ رواتهِ
حيث صفات الرمز الخالدة في الأذهان فضلا عن معانيها السامية التي تتصل بقوة احساس الشاعر الكبير، لذا جاءت حرارة العاطفة فيها متدفقة والتعبير عنها متميزا عن سابقتها.
ومن المميزات البارزة في اسلوب كتابة هذا النص هي الدقة والوضوح إذ إن الإسلوب الأجدى في الشعر هو ان يكون وسيلة وليس غاية في ذاته، خاصة في التعبير عن الموضوعات التي تصبُّ في خانة الالتزام.
لذلك كان لكل كلمة في هذا النص دورها المحدد لها مهما كان موقعها من الناحية البلاغية والجمالية.
ومع ذلك جاءت رشاقة الإسلوب كصفة بارزة مميزة.
ما حامتِ
الأفلاكُ حولَ ضريحهُ
إلا لتبرقَ من خلالِ جهاتهِ
هنا تنحى شاعرنا جانبا، وترك هذا البيت يعبر عن نفسه بتحديد وايضاح سمات هذه الشخصية الفذة، ولا ننسى كيفية ربطه بالأحداث لتقديم الحبكة بثقل فاعل، واقتدار في التصاعد، وصولا الى الذروة.
هذا الحسينُ
ولستُ أولَ شاخصٍ
عيناهُ عالقتانِ في مأساتهِ
لقد ارتقى شاعرنا هنا بهذه الصورة للتعبير عن أبعاد انسانية أشمل بكثير، اذ ربط بين الرمز والمأساة العظيمة الممزوجة بالدم، فالسياق الذي ورد آنفاً يجعل دلالة المأساة الدموية الفاجعة اوسع مداراً، وأراد كذلك إيضاح البعد الروحي في مصرع الإمام الحسين (ع)، إذ أوضح بطريقة غير مباشرة إن مقتل الحسين (ع)، يعدل قتل الكتاب والسنة النبوية الشريفة.
وعلى هذا تتضح دلالة المأساة مشيرة الى واقعة الطف الأليمة، وما رافقها من صحوات للضمائر النائمة وتنامي الشعور برفض الإستكانة والذل والهوان مشبها بذلك تلك الرسالة الإنسانية الواضحة المعالم برسالة المسيح (ع) في اسلوب شعري متفرد من خلال هذا التقابل الرائع.
هذا المسيحُ
وكلُّ فادٍ راعِفٍ
في كلِّ عصرِ جدَّ منْ راياتهِ
وعلى الإجمال إن ما سبق وما سيأتي من موضوع هذه القصيدة وقيمتها الجمالية كلٌ لا يتجزأ لأنها ستثير شغف القارئ واهتمامه شاء أم أبى، كما حصل معي الآن وأنا أعيد قراءة هذا البيت ـ الذي سأضعه أمامكم الآن ـ لمرات ومرات لأشبع شغفي المتواصل.
وكأن قافلةَ
الدهورِ مواكبٌ
تمشي على طولِ المدى برفاتهِ
ولأجل براءة ذمة ما يجول بخاطري أقول: يا له من بيت كبير يعدل الف بيت، وكأنه جمع ما بين المشرق والمغرب من رؤى وكتابات حول هذه الملحمة العظيمة.
فقد حلق كاتبها عبر رؤيته الذاتية حول كل الأجناس الأدبية المتاحة في مخيلته بحيث أتم ما يريد بأسلوبه الخاص والمتميز المستند الى الخيال الواسع واللغة المموسقة والصور الموحية واستخدام عناصر التشويق بانتقاء المفردات الجاذبة.
وبعد وقوفي الطويل أمام هذا البيت الكبير رأيت حرص الشاعر ودأبه على ربط الحقائق بالوجدان الإنساني على نحو مباشر او رمزي لكي يهز الوجدان.
فانا أعلم شخصياً باعه الطويل في اقتناص الصور البيانية الحافلة بالمجاز والايحاء، ولم يبقَ أمام المتلقي إلا الدهشة والإنبهار.
جفلَ الظلامُ
وما يزالُ الظالمو
نَ بخيفةِ المرتاعِ منْ وثباتهِ
وهنا يمكن أن نستنتج بأن كثافة العنصر الموسيقي، ولا سيما القافية يؤدي الى انبعاث الصورة في مخيلة السامع لتنقله مباشرة الى ميدان الروح، لتتجلى صورة الممدوح وصفاته أكثر، فهو المجاهد الذي سعى لبذل النفس في سبيل احياء المبادى الإسلامية والقيم العليا، ولم يثن عزمه قلة الأعوان او كثرتهم.
ما أعظمَ
الفادي وأعظمَ موتهِ
بطلٌ حَمى سِفرَ الهدى بحياتهِ
نعم، إنهُ بطلٌ ليس كأي بطل وموت ليس كأي موت. ويحضرني في هذ الوقت قول «النفري»: (كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة). هكذا اتسعت رؤية الشاعر لتشبيه هذا الموت بالنصر المبين، وتجسيده في هذه الوثيقة التاريخية التي كتبت على شكل قصيدة سيخلدها التاريخ حتما.
وانتقل بنا الاستاذ الشاعر الى خاتمة قصيدته والتي عطرها بمسك ختام يليق بها:
فإذا الذينَ
استفردوه جميعهم
نكِراتُ قبْرٍ وهوَ في جناتهِ
استخدم استاذنا التشبيه الحسي لوصف القتلة المجرمين بالنكرات، وخلود الرمز العرفاني في جنات النعيم، متنقلا بين الأصالة والحداثة بقصيدة كتبت بمنتهى الدقة والرصانة الأدبية.
وبهذا يكون هذا الرثاء وثيقة ابداعية وفكرية واجتماعية، فوق ما هو نفثة روحية بدأت ببداية جاذبة ومشوقة، وخاتمة أعطت للقارئ شعورا بالإقتناع والرضا.
كان لي كبير الشرف أن أقف أمام هذه القصيدة الخالدة بشخوصها ورمزياتها ومضمونها، وأن أكتب في حاشيتها ما تراءى لي من بين السطور، انها مجموعة عوالم أبهرت ناظري، وأخذت بيدى الى صحوة حقيقية، ودلالات انسانية، والى معرفة شاعر ينطلق من دواخله بوعي عميق وصدق نبيل.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.