الإعلام السياسي والتدخين وصناعة الجهل..!

ما دمت منخرطا بالحقل السياسي، فأنت مجبر على أن تكون لك صلات وعلاقات، مع أناس يؤمنون بأنهم قد إنتموا الى الطريق الأصح، وأن ما يؤمنون به هو المطلق الأوحد، وسواه مجرد «ترهات» لا تغني ولا تسمن!
تكون الصورة على أشدها سوءا؛ إذا امتزج الإعلام بالسياسة ليصبحا حقلا واحدا، هو حقل الإعلام السياسي، هذا الحقل الذي يفرض على المشتغلين فيه؛ أن يحملوا سيوف الدفاع عن ما انتموا اليه، بل ويتعين على إعلاميي السياسة، أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك، إذا يجب أن يمتلكوا أصواتا عالية، يطلفونها الى أن تبح حناجرهم، فيما يدهن الساسة حناجرهم «الذهبية» بزيت الحبة السوداء، لتخرج الأصوات منها في مواسم الخطابة جميلة رخيمة!
فيما يحاول بعض الساسة ذوي التوجهات الرصينة، بناء منظومات إعلامية ساندة لسياساتهم، تعمل على اسس رصينة، فإن غالبية المشهد السياسي الإعلامي، هي مسارات مخيبة للآمال، كاشفة عن خواء أخلاقي ومعرفي ومهني، وبذلك نصبح إزاء مخرجات تافهة، تعبر عن كم هائل من الزيف والخدام والتجهيل.
نقف عن التجهيل الإعلامي، وهو أسوأ مخرجات الإعلام السياسي العراقي، فبدلا من إدارة»الفهم»، تحولت المهمة الى صناعة «الجهل»..بدلا من شرح الرؤى والآمال والخطط والمسارات وصولا الى المآلات، باتت المهمة تلميع الصورة، وتقديم الوهم على أنه حقائق، فضلا عن العمل على تغطية العيوب، وإختراع تاريخ مجيد للساسة.
التجهيل الإعلامي لا يتعاطي مع النخب والكفاءات الآكاديمية، بل هو يستهدف الدهماء، بقصد توجيههم وتسييسهم وتطويعهم ليحولهم الى أدوات في مشروعه، منتهجا ما بات يعرف بالشعبوية، التي تهدف الى التحكم بتفكير الجماهير، وتثبيت أنماط معينة للتفكير، تساعد على تحقيق أهداف السياسي المتحكم، حيث العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، وحيث لا صوت يعلو على صوت الساحات!
صناعة الجهل باتت علما له أدواته ووسائله، والتجهيل صناعة خطيرة ومدمرة، تستهدف عامة الشعب، وهنا مصدر خطورتها، فهي تهدف أولا الى تحييد العقول الناضجة، ومن بين أفضل وسائلها في عملية تحييد الفكر والعقل الناضج، هي إخافة الفكر وإرهاب العقل!
صناعة الجهل، الذي لا يستثني طبقة عن طبقة، ولا فئة عن فئة؛تقوم أساسا على الطرح الديماغوجي، وما يترتب عليه من إستخدان الكذب والتدليس وخلط الأمور،
أدوات صناعة الجهل كثيرة يصعب إحصائها، أهمها الأجهزة الإستخبارية، بأنواعها المحلية والعالمية والحزبية، لا تفوتكم عبارة»الحزبية»، فلمعظم القوى السياسية العراقية، أجهزتها الإستخبارية، التي أنشأتها تحت عناوين مراكز البحوث والدراسات، لكن تبقى النخب المُستحمرة، كأحد أفضل أدوات التجهيل السياسي.
في صناعة الجهل لا أثر للحوار ابدا، فهو مستبعد أساسا، وترى ذلك صارخا بوضوح، عند مناقشة قضية عامة؛ مع من يخالفك التفكير والرأي، فهو كي يستريح من عناء التفكير والتحليل لما يحدث؛ يطعن بجميع من في المشهد، ليخرج هو الضحية المظلوم؛ الضائع بين هؤلاء (الذين كلهم حرامية)، فيقول ان الصراع الحالي هو صراع على السلطة، وماذا نقبض نحن؟!
عندما تساله وما المشكلة ان يكون الصراع على السلطة؟! لا تسمع جوابا بل سيلا من الشتائم الجديدة، لأن محاورك تم تلقينه بشكل غير مباشر؛ بان الرغبة في الوصول للسلطة خطيئة وإثم، وان من يريد ذلك لا يبالي بالشعب، وانما يريد نهب خيرات البلاد لنفسه…!
كلام قبل السلام: كل الناس تقريبا يعرفون أن التدخين مضر بالصحة، وأنه سبب رئيس للإصابة بأمراض القلب والرئتين والشرايين، والإصابة بالسرطان، ومع ذلك فإن كثيراً منهم يدخنون، وحجتهم أن في حيهم رجلاً تجاوز الثمانين وما يزال مدخنا!
سلام..

قاسم العجرش

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.