ضياع الذات

لطيف عبد سالم

فجر يوم غائم.. خرج كعادته باحثاً عن رزقه.. فرش إِزار حظه على رصيف مسطر العمالة.. جلس طويلاً.. أخذ منه البرد مأخذا.. شارك بعض العمال في الشعور بالتدفئة بإشعال قطع الخشب.. ظل يترقب من دون جدوى.. أرهقه الانتظار.. لم يجد من يحنو عليه سوى تخت «أريكة» في مقهى «العمال» المطلة على المسطر.. دلف إلى المقهى.. ألقى السلام على صاحبها.. رد عليه التحية.. وضع المِسحاة تحت الاريكة الخشبية.. جلس يصغي بانتباه وسط ضبابية دخان سجائر مَن ضاق بهم الوطن لأغنية مسعود العمارتلي: «طش وآنة الِم».. لامس انسياب كلماتها وجدانه.. ابتعد قليلاً عن أقرب الجالسين.. أصبح منعزلاً بنفسه.
العزلةُ أيقظت في نفسه الرغبة في استعادةِ زمن مضى.. نبش في زوايا ذاكرته المتعبة بقذارات الزّمن.. استحضر وقائع تراكم فوقها غبار النسيان: قريته الوادعة على أحد الجداول المتفرعة من نهر الفرات.. شوقه لمروجها الحالمة الممتلئة بالخضرة والمفعمة بالحياة.. سنابل القمح والشعير الزاهية على طول مزارعها.. أغنيات الحصاد.. رقصات الدخول «عيد نوروز» وأهازيجه الممزوجة بحلاوةِ أصوات المزامير.. تزايد وطأة ضغوط الحياة على الفلاحين البسطاء الذين ضاقت بهم سبل العيش بسبب استبدادِ الاقطاع وجوره.. اضطراره الرحيل عن مسقط رأسه ومرابع صباه.. انتقاله للعيش في بيت خاله بإحدى مناطق الصرائف في ضواحي العاصمة بغداد.
كان غارقاً في التفكير وكأنه أحد موجودات المقهى العتيقة المتآكلة.. بدا بعيداً عما يحيط به من الجلاس.. مضى به شريط الذكريات في قطار العمر الذي مضى منه الكثير دون أن يشعر به.. لم يعكر صفو خلوته سوى صوت الرعد الآتي من بعيد.. بدأ متشنجاً كأنه يشكو شدة وطأة هموم الدنيا على رأسه.. عيناه كانتا تسرحان في فضاء المقهى.. تتصفحان وجوهاً تشكو الجوع والضيم.. طلب استكان شاي.. تناوله برشفاتٍ متأنية.. دب الدفء في جسمه.. مد يده في جيبه.. أخرج كيساً نسيجياً يحتوي تبغاً ودفتراً ورقياً صغيراً.. اقتطع ورقة.. بلل حافتها بلسانه.. لف بها التتن «التبغ».. حاول إشعال سيجارته.. توقف الزناد «الولاعة» عن العمل.. استعار شخاطة «علبة كبريت».. أشعل سيجارته.. أخذ منها نفساً عميقاً.. نفث دخانها عالياً في الهواء.. أنهى تدخينها.. أطفأها بأسفل حذائه المطاطي.. مد يده تحت الأريكة.. تناول المِسحاة.. نهض من مكانه.. خرج من المقهى.. توقف قليلاً تحت شجرة سدر معمرة في إحدى زوايا المسطر.. سرح بناظريه صوب الشارع الغارق في الماء كأنه يراقب المارة والسيارات والعربات.. أصوات عمال البناء والباعة الجوالين وأكشاك الشاي وعربات الأكلات الشعبية تشاركه المكان ذاته.. هم بمغادرة المكان مبتئساً وهو يشعر بضيق صدره ونفاد صبره بسبب خيبته في الحصول على عملٍ منذ أيام عدة.
المطرُ يسكن شيئاً بعد شيء.. الوحل الذي يجثم على الطرقات أجبره السير على حافاتِ دروبٍ زلقة.. خطواته تتسع نحو دربونة بيت خاله الملتوية.. كان مهموماً مشغول البال.. وجوده في المدينة من دون عمل أتعبه كثيرا.. شعر بصخرةٍ ثقيلة تجثم على صدره.. صورة قريته لم تُهترَأ تفاصيلها في عقله.. معانيها تستعر في قلبه بجمرِ شوقٍ ولهفة.. ترسخت لديه القناعة بهجر المدينة.. قرر العودة إلى الفضاء الذي عاش فيه أيام طفولة عابقة بطيبة الأهالي ورائحة الربيع الزاهرة بالفراشات الملونة وخضرة سيقان الشجيرات التي تتماوج تحت أشعة الشمس بعذوبة لا يستطيع أن يستوعبها أو يدركها إلا من ارتبط بأرضه.
وصل دار خاله التي كثيراً ما انتابته حالة من التفكير بثقل وجوده فيما بين عائلته بعد أن جعله سوء حظه محشوراً بإكراه في مساحتها الضيقة.. تفاجأ بوجود قريب له قادماً من قريته.. فرح برؤيته.. احتضنه.. تعانقا.. لم يتمكنا من حبس دموعهما وانفعالاتهما.. أجلسه إلى جانبه.. رحب به كثيراً.. قدم له استكان شاي.. جهز له سيجارة لفها لتوه ووضع بجانبها الشخاطة.. طلب منه مرافقته الى ساحة الطيران في الباب الشرقي ليريه معالم المدينة في محاولة لتجنب الإثقال على بيت خاله بواجب الضيافة.. خرجا معاً.. انبهر المهاجر الجديد بما شاهده من معالمٍ في مركز العاصمة.. تناولا الكباب في مطعمٍ شعبي على أرصفة أحد الشوارع.. تجولا قليلاً.. افترشا حديقة عامة.. بادره بالسؤال عن الأهل والأحباب.. حكى له ضيفه الكثير .. تناسلت القصص من رحم حياة الناس هناك.. حدثه عن الفقر المدقع الذي يعانيه الأهالي قائلاً:
– أحوالنا تغيرت كثيراً.. ديارنا يا بن عمي لم تَعُدّ كما كانت منذ أن تركتها أنت قبل سنوات.. الخضرة غادرتها.. نخيلها الذي يبست جذوعه جفته البلابل.. صباحات أيامنا غدت باهتة من دون أصوات العصافير.. سوق الناحية أصبح معيناً لما نحتاج من بيضٍ أو لبن!.
طأطأ الضيف رأسه إلى الأرض.. صمت قليلاً.. تنهد بحسرة.. التفتت إلى صاحبه وهو مكسور الخاطر، وبعفوية القروي أردف قائلاً:
– الدنيا يا «خوية» فرقت الأهل.. أبعدت الأحباب.. أغلب الأهالي مقبلون على الرحيل من قريتنا!.
قضيا وقتاً جميلاً.. المساء بدأ يزحف سريعاً.. شعر بحاجة ضيفه إلى النوم بعد أن غلب عليه التثاؤب وبدأ بإغماض عينيه.. تركا الحديقة.. توجها صوب دار خاله.. جهز فراشه في ذات الحجرة الطينية التي يشاركه النوم فيها أولاد خاله.. أطفأ اللمبة «إناء إضاءة بدائي» التي تشبعت الحجرة بدخانها.. تركه يخلد للنوم قبل أن يوصيه بالاستيقاظ مبكراً من أجل مرافقته إلى مسطر العمالة بحثاً عن عمل.
قضى الليل كله ساهراً بعد أن تراكمت سحب القلق والهم والخوف من المستقبل بسبب ما سمعه من أخبارٍ صادمة.. شعر بتوتر كبير.. ألم ممض يعتصر قلبه.. تزاحمت الأفكار في رأسه بشدة….أصبح كحطام زورق تتقاذف جنباته الأمواج.. حاول جاهداً إعادة الثقة إلى نفسه التي دب فيها اليأس.. فكّر مَليّاً لما يحب أن يقوم به.. لم يجد أمامه – وقد عادت صورة بؤس الحياة في قريته تحوم في ذاكرته – خياراً سوى البقاء وسط صخب المدينة.
من ليلتها عاش الضياع مكرهاً وسط ضجيجِ زحمة طرقات المدينة وهو يعاني شظف العيش ومرارة الحرمان!

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.