بطيخ النجاة

عبد الحق قريني/ الجزائر

عانق الليل القرية الجزائرية المنكوبة أيام التسعينيات، وتعالى حفيف الأشجار المتراقصة على أنغام الرياح. تجلس خديجة قرب النار الملتهبة مصدر الدفئ الوحيد في البيت، تخبز فطائر تكسر بها جوع هؤلاء الصغار المتزاحمين حولها، الذين ينتظرون نضوجها بشوق كأم تنتظر عودة ولدها المغترب. في هكذا أوقات تعوّد سكان القرية على تهاطل الرصاص ورؤوس البشر المترامية التي خلّفتها أيدي الغدر. هؤلاء الغرباء المجرمون يترصدون القادم والرائح، كل صغيرة وكبيرة في المدينة تحت أعينهم والضحية الوحيدة للإرهابيين هم أبناء الشعب الراكضون خلف الرغيف كل صباح أو مساء. لقد أصبح صوت الرصاص وصرخات البشر ههنا شيئا عادياً جداً، إذ أمكن للواحد أن يستيقظ على صياح الأبناء في ساعة متأخرة من الليل لأن جموعاً من القتلة سحبوا والدهم من فراش الزوجية تحت تهديد السلاح، ولربما كان من العادي أن تصادف رأس أحدهم مرمياً وسط الطريق بينما تتوجه للمدرسة أو تشتري خبزاً ذات صباح.
ها هي الفطائر الساخنة الشهية تنضج، يتبادل الأطفال الابتسامات فرحاً باللحظة الموعودة بعد كل هذا الإنتظار، تعطي الأم كل من الأبناء الثلاثة قطعاً متابينة الأحجام وكأساً من اللبن. بحيث تراعي فروق السن بينهم، ينزاح محمد، عبد القادر ومريم إلى زواية الغرفة جانب بعضهم، وتستريح الأم أخيراً لترضع الصبي حتى تضمن لنفسها نوما هنيئاً بعد كل هذا العناء.
في الخارج كان الجو شديد البرودة والرياح بدأت تخًف شيئاً فشيئاً، لكنَّ أمرا آخر جاء ليعوض هذا الغياب، كأن قانون الطبيعة والحياة هنا على تفاهم تام لتعكير صفو الخالة وراحتها. أضحى الضجيج خارجاً في تزايد مستمر يوحي بعدم الارتياح، تطمئن خديجة أولادها وتأمرهم بالإخلاد للنوم فينصاعون برغم أن داخلها يتوجس خيفة، تحكم الإمساك برضيعها وتضمُّه كأنها تخشى أن يُختطف منها، لقد كان حدس الأم صحيحاً.. إنه الوقت الذي اعتاد فيه الإرهابيون التجوال في الأرجاء بحُريّة مطلقة، يدخلون البيوت من أي الأبواب أرادوا، يرعبون الساكنين، يقتلون المعارضين، يسلبون الأموال ويستحلون النساء. كأن هذا النوع من البشر من نفس السلالة التي تكلم عنها داروين في نظرية التطور، حيوانات متوحشة بربرية، تطورت في صفاتها الجسمية بمرور الزمن بينما بقيت عقولها منغلقة متحجرة. تنسحب الرياح رويداً رويداً تاركة المجال لصراخ المستنجدين، ينام الرضيع بين يدي حاميته آمناً مطمئناً، فخديجة اعتادت أن تضع جانبها كل انواع الأسلحة المنزلية التي أمكنها الحصول عليها من رفش وفأس أو وسائل حادّة لعلّها تخيف بها الوافد الغريب وتبدد شكوكه في ضعف هذه الأرملة، لكن إصرار الأعداء كان أقوى حينما دقت طرقاتهم الباب الخارجي فأضحت مرتعبة لا تنوي على شيء، سوى حماية رضيعها النائم بين يديها. بسرعة تضعه تحت المائدة وتحيطه بالبطيخ والدعوات والابتهالات من كل الجوانب!
في اللحظة التي تمضي فيها إلى الغرفة المجاورة تقطع الفناء بخطوات وجلة مسرعة لتنبّه بقية صغارها وتحذرّهم، توقفها صرخات جثة فيل غاضب مرعب يقف على عتبة الباب المكسور بعد أن رفض قاطنو الدار فتحه. يتقدم هو و ثلاثة من أمثاله نحو المرأة التي بدت لهم فريسة سائغة سهلة لإفراغ شهواتهم الحيوانية، لكن خديجة تفهم لغة العيون، هذه المرأة الفولاذية التي خبرت الحياة بما فيها تهُم راكضة نحو أبنائها ليلحقها ضباع البرًية مهرولين، تحمي وتحمتي بأبنائها، ترسل دموعها الساخنة لعلّ بين هؤلاء الهمج قلباً يلين. لكن القلب الذي اعتاد نبرات الاستعطاف ونزف الدماء والشرايين والرؤوس المتطايرة أنىّ له أن يلين بدموع أرملة ضعيفة؟!
يختطف أحد تابعي الرئيس كما يبدو على غفلة منها عبد القادر أصغر الأطفال ذا سبع السنوات والذي لا يفهم ماذا يجري ويراقب صرخات أمه و باقي الإخوة مندهشا، يومئ الرئيس للأرملة أن تسلّم نفسها فتجيب بالاستحالة، وتتناثر بقع الدم ساخنة على ردائها. تشتمها، تلطخ بها يديها المرتجفتين، وتجزم أن موت هذا الملك الصغير حقيقة حينما تسمع صرخات إخوته فتتهاوى على جثته بالتقبيل وتبكيه بكاء الثكلى وترثيه رثاء الخنساء موت أخيها صخر. غير أن الكلمات لا تسعفها فتتساقط دموعا غزيرة حارّة. يختطف تابع آخر الفتاة هذه المرة ويكرر الطلب فتجد خديجة نفسها بين أن تنصاع لرغباتهم الشهوانية مقابل تخليص أبنائها وبين عصيان أمر ربّها وتبديد شرفها وعهد زوجها الراحل. تغرق في التفكير هنيهة كانت تدرك جيدا أنها حتى وإن انصاعت لرغبتهم لن يتركوها بتلك السهولة، إن القتل بالنسبة لهم رغبة متجذرة وقانون راسخ، بل إن كأن هذه النفوس لن تنام إذا ما أشبعت رغباتها في القتل والجنس،.يبدد إلحاح هذا الوحش الواقف قبالة خديجة حديثها وأناها.
لكن التابع وبأمر من الرئيس الذي انزعج من سكون هذه المرأة دون أن يعلم الحروب والمفاوضات التي تجري بداخلها، دونما رحمة أو تأكيد يمرر سكّينه الحادّة على رقبة الملاك الصغير فستقط جثّة هامدة قرب أخيها، وتتعالى صرخات الأم لتخترق البناء و المدينة و الفضاء، بينما يضحك رئيس الإرهابيين أمامها بهستيريا كأنه يشاهد عرضا مسرحيا مضحكاً. تستجمع خديجة قوتها وتلكمه على وجهه ولا تنهي مجازفتها إلّا ببصقة على وجه رئيس الإرهابيين القتلة، بددت بها سكون هذا البيت وما فيه للأبد.
يعرف السكين موضعه وصاحبه جيداً ويقوم بإنجاز مهمته ببراعة ودقة، لكن الكلاشنكوف الغاضبة لا تفرق بين أخضر ويابس، صغير أو كبير، شيخ يستجدي العطف أو أرملة ثكلى. تنهال الرصاصات في كل اتجاه بالغرفة لتنهي هذا الكابوس الفظيع. وينسحب سالبو الأرواح البشريون دونما أي تأثر بعد أن خيبت الشريفة آمالهم، تتلاشى وتسكن الأصوات في المدينة المنكوبة للأبد.يستيقظ علي بعد اثنين وعشرين عاماً في بيت عمّه بعد أن تركته أمه رضيعاً محاطاً بالبطيخ، ليبقى شاهداً على هذه المأساة، التي أصبحت لا تفارق كوابيسه. ينتظر موسم البطيخ كل صيف علّه يكشف له تفاصيل وملامح والدته الراحلة، وقصص عمّه الكاذبة، ويقول في نفسه: هل عليَّ أن أحب البطيخ لأنه أنقذني من الموت أو أن أكرهه لأنه تركني أعيش حياة الفقد هذه؟ وسرعان ما يجيب عند طلوع الخيوط الأولى من الفجر: لا بأس، هذا الوقت سيمضي، ربّما كعبور شاحنة فوق روحي.. لكنه سيمضي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.