الوشم في الرواية العربية

يشكل الوشم علامة دلالية تراثية ثرة ليس في الواقع الحياتي، الذي هو امتداد لطقوس شعبية، بل هو علامة متعددة الأبعاد في النّص السردي أيضا، ومن هنا ستكون نقطة انطلاق البحث في روايات معاصرة وظفت (الوشم) توظيفا أفاد من الإرث المرجعي لهذه العلامة السيميائية التي عبرت كل مضائق العبور القيميّة والدينيّة وتجاوزت كل معوقات الاضمحلال, وحبّرت دلالتها في عمق الوجود الإنساني مقاومة عوامل الفناء في الزمان والمكان، من مومياء الفراعنة حتى اللحظة الراهنة وهي تصارع الفناء وترسّخ دعائم الثبات والصيرورة في شرقنا، وإن كنّا نراها في الغرب أكثر إشراقا راهنا وأكثر تأصيلا للجذور.
أمّا ماذا عن شرقنا؟، فقد بدت واضحة هذه الممارسات الحياتية وتلك الطقوس العرفية والتقليدية في شرقنا الممتد على الرغم من اختلاف أصوله ومرجعياته ولهجاته وتقاليده، ويشهد الفلكلور، ولا سيّما فن الموال والشعر الشعبي والفصيح، على ذلك، فنرى التهليل بهذه الإشارة الكاشفة الأبعاد على المستويات الثلاثة: الثقافية والسيكولوجية والاجتماعية، أو بالأحرى الإشارة الأنثربولوجية في هذا الوجود الصيروري للكائن الآدمي على الأرض.
وليس هذا وحسب، بل يتحول الدال ههنا، ونقصد الوشم، إلى دالّة ثقافية ضديّة، فيدخل معجم الأضداد، إذ تجمع الدلالة بين التقليد والأصالة، السكون والخنوع والتمرد، الشك واليقين، الاعتقاد واللا نتماء الديني والمجتمعي، ودلالات الفراغ الداخلي والرفض وشهوة الدم.. إلخ.
وكما هي طقوس الوشم وتطهير الجسد، من مرحلة الألم والعذاب وسادية الفعل إلى مازوشية اللذة، وراحة الدم النازف، انتهاء بالجمال والفن وتخليد الذكرى والشعور والفكرة، كذلك هو الطقس النصي للوشم، ومراحل إفراغ الذات من ثقل الأفكار وتداعياتها، ومراحل تطهير الإحساس والشعور مما يعتمل في الداخل ويعكر صفاءه، في سيرورة كشف على الصعيد النفسي الذاتي والاجتماعي والقومي والسياسي. فنحن حقيقة إزاء روايات شغلها الجانب السلطوي في السلطة، وروايات عالجت قضايا أعمق على الصعيد القومي والإنساني، وروايات تظهر بمظهر الذاتية ولكنها تهتم ببحث الإنسان عن ذاته، وصنعه مصيره، وإعادة التشكيل، في مكان مختلف وبعيد عن أفق توقع الذات واغترابها ودخولها في عوالم روائية مبتورة، وخيالية، ولا واعية، أو غير منطقية وغرائبية، كل ذلك في محاولة لرسم معالم إنسان المرحلة الراهنة وربما المستقبلية.
ففي روايات الوشم، بعتبتها النصية المفردة (الوشم)، أو بإضافة الدال أو وصفه (وشم الروح، الوشم الأبيض، وشم بربري، بقايا الوشم، وشم الذاكرة).
كل ما ذكر أعلاه كان مسوغ الدخول في عالم الوشم ومرجعيته الثقافية البالغة في القدم، والعميقة الأثر في الفكر والقلم، ولا سيَما في عالمنا الحديث والمرحلي و المعاصر جداً.أما ماذا عن أهم الأفكار التي عالجها النص السردي العربيّ فنذكر: دلالة الوشم بين الواقع والتخييل في الرواية العربية، وروايات الوشم وتشكيل بعكس التيار، وسلبية الرؤية وسيكولوجية السقوط في روايات الوشم، والنهايات المأساوية والمبتورة واللا منطقية، وغربة الروح وتشكيل الذات في وشم الرواية المعاصرة، والموجب والسالب في وشم القلم الأنثوي، ونذكّر ببعض العتبات النصيّة والعناوين التي ظهرت في ساحة القلم، فنقول ههنا: رواية (الوشم الأبيض) للروائيّ المصريّ أسامة علام، ورواية (الوشم) للأديب العراقي عبد الرحمن الربيعي، ورواية (وشم على الصدر) لصاحبها عثمان سعدي، وَ(وشم وحيد) لسعد القرش، ورواية الكاتبة رشا عدلي وهي أيضا تحت عنوان (الوشم)، والمجموعة القصصية (وشم بربري) للقاص خير الدين جمعة، ووشم في الذاكرة، ووشم امرأة وغيرها الكثير من الأعمال الروائية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.