المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكاتب المصري فرحات جنيدي

2342

فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 2003 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 2004. الرواية (أحزان الأفاعي) 2011. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 2015، و(مهاجرون) ومضات قصصية 2016. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعيا، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر او في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.

 

الفصل الاول

أوشك قمر الشتاء الباهت على الموت, يعتصر من الألم والحزن, شاب ضياؤه ولم تأت بعد. لقد طال انتظاره للشمس التي استأذنت في الغروب ذات يوم لكنها لم تعد, يشق صدره صوت قوي بأنها عائدة، ولكنه يعود ويتألم ويعتصر كلما جاء موعد عودتها ولا تأتي. تتصارع من حوله الغيوم السود وتتصادم بعنف, يضرب البرق السماء فيهطل المطر ماءً مراً تفوح منه رائحة الدخان والدم, يفترش الشوارع والأزقة وأسطح المنازل المتهالكة ويتسلل إلى أكشاك الطعام وعربات الجند المرابطة وسط الميادين, يبحث المطر عن أشجار وزهور ليقتلها فلا يجد، فيتغلغل وسط ما تبقى من عشب فيخنقه, كل شيء فى العاصمة يعلن الخشوع ويقدم القرابين لإله الخوف.
كانت الليلة ليلة العيد, عيد جلوس الإله “نتر” على العرش، ولذلك ظلت أكشاك الطعام عامرة بالجند، مضيت خلف الأكشاك أتذوق رائحة الطعام، أبحث بعيني عن أي شيء آكُلُه في صناديق القمامة، لكن لا يوجد شيء فكل الصناديق خاوية كمعدتي, يحكي لي أبي عن ماضٍ كانت تلك الصناديق تشهد معارك كبيرة بيننا نحن أبناء الملاجئ وبين كائنات تسمى قططاً وكلاباً, اندثرت الأولى ولم يتبقّ من ذكراها شيء غير صورة رسمها الآباء الأولون على أحد الجدران القريبة من قصر الإله “نتر”, أما الثانية فقد تغلبت على الآباء وتكاثرت وكونت جيشاً عظيماً يفوق عددنا نحن أبناء الملاجئ.
أرهقت قدميّ واشتكت من حمل جسدي النحيل، تصرخ: كفاك، لقد أرهقني طول الإنتظار! تواسيها صرخات معدتي الخاوية منذ أيام، تصمت في حزن وألم, أتراقص من ألم الجوع والخوف، لم تمضِ لحظات حتى استقبل جسدي النحيل زلزالاً من الحمى ورجفة البرد. استسلمت في انكسار، سقطت على الأرض وعيناي معلقتان نحو صناديق القمامة، ترغرغت عيناي واشتعلت بهما حرارة ولهيب فأغلقتهما، انتبهت أذني لاستسلام كل أعضائي فراقبت حركة صناديق القمامة والأصوات المنبعثة من نوافذ الأكشاك.
كانت أصوات الجند واضحة. نعم، أنا أفهمها جيداً. ها هو ذلك الصوت الخشن يحكى عن يوم تنصيب الإله “نتر” على العرش في ليلة العيد, يقول أنه كان في الماضي عيد يسمى عيد الأضحى, وكان الكل يملكون بيوتاً كهذه التي تحولت إلى معسكرات وكانت تلك البيوت تضم الكبير والصغير، الشباب والنساء والفتيات، حتى الأطفال. لكن الإله “نتر” قرر ألا يعيش أحد في تلك البيوت القديمة المتهالكة والتي لا تقوى على حمايتهم، ولا سيما أن الكثير من الآلهة خارج الحدود تراقبنا ومنهم من يتربص لنا. فلذلك قرر الإله “نتر” أن يقوم الجند بإعداد ملاجئ آمنة للشعب، ومن يملك من المال والذهب والنحاس والفضة شيئاً فليقدمه ويكون حظه أوفر فى أن يكون ملجؤه أكثر أماناً واتساعاً، وأن يكون خارج العاصمة, ومن لا يملك مثل آبائي الأوائل فعليه أن يعيش في الملاجئ تحت الأرض، شريطة أن يقدم أحد أبنائه لخدمة الإله “نتر”. ومن لا يملك أبناء فعليه أن يقدم ثلاث نساء للعمل فى بناء سور العاصمة العظيم الذى يحمي الشعب من الآلهة المتربصة.
كان حظ أبي عاثراً، فهو لا يملك أولاداً يقدمهم لخدمة الملك، فقدم نفسه وأمي لخدمة العمال في بناء سور العاصمة العظيم. كنت أنا في ذلك الوقت طفلاً صغيراً لم يتجاوز عمري الرابعة، وكانت أمي تربطني على ظهرها وهي تحمل الماء للعمال، وكان أبي يزورنا كل شهر مرة، حتى انقطعت أخباره، وقالوا أنه مات فداءً للإله “نتر”, وقالوا أن الإله “نتر” أمر العمال بتخليد اسمه وكتابته على أحد أحجار السور العظيم، ووضع مئة قطعة من الذهب أسفل ذلك الحجر, فأبي كان قريباً من كهنة الإله “نتر”, كان يساعدهم في دفن رؤوس الموتى من العمال وتقطيع بقية أجسادهم لقطع صغيرة، وتقديمها لكلاب الجند التي كانت تحرس الكهنة والجند المراقبين لسير العمل بالسور. أما أمي فقد سقطت في البئر وهي تجلب الماء فماتت غرقاً. نعم، لقد شاهدتها، فقد كان عمري يومها قد تجاوز الثامنة. أكملت أنا العمل بعدها في جلب الماء حتى سقط على قدمي حجر كبير جعلني أعرج لا أقوى على توزيع المياه بشكل سريع، فتم إستبعادي إلى الملجأ.
خرج بعض الجند فانبعث صوت هامس يحكي عن الإله “نتر” أنه كان قائداً لجيش الإله “بابا”، وأمر جنوده بذبح كل الماشية الموجودة بالعاصمة وتخزين لحمها في مخازن الكهنة، وكان ذلك قبل حلول عيد الأضحى. فاضطر الإله “بابا” للخروج لصيد الماشية وذبحها أمام القصر كعادته وتقديمها للشعب, وهناك في الوادي الواسع تآمر “نتر” على الإله “بابا” وقتله. همس صوت آخر مقاطعاً بخوف شديد يظهر في نبرة صوته: لا لم يقتل الإله “بابا”، إنما هو محبوس هناك في الوادي المظلم، وعلمتُ أنه منعم في ذلك السجن بأوامر من الإله “نتر”. هل تعلمون لماذا؟ أقول أنا لكم: الإله “بابا” من نسل الإله الأعظم “بابا” الكبير، والكهنة في الوادي المظلم تأخذ كل يوم من دمه قطرة وتعطيها للإله “نتر”، وهذا سر قوته واستمراره، والآن حياتهم واحدة، فإن مات الإله “بابا” أو قتل فستكون نهاية الإله “نتر”. قاطعهم صوت ضعيف يوحي بأن صاحبه رجل عجوز أو مريض وقال: أنتم لا تعلمون شيئاً ولا تعرفون كيف تغلب الإله “نتر” على جند الشيطان في البحر المظلم البعيد، فأعجب به الشيطان وأخذه قائداً لحرس قصره، حتى أصبح إلهاً عظيماً وقوياً، فأعطاه الشيطان شعباً ليحكمه ويخرج منه جند عظيم مثلنا. ضحك الجند وقال أحدهم: أنت عجوز أبله لا تعرف شيئاً.. حرس ماذا؟ وقصر ماذا؟ وقتال من؟ وقائد لمن؟ قائد! إنه هو الشيطان يا أبله! ضحك كل الجند إلا أحدهم، ظل صامتاً حتى خرج منه صوت غاضب صارخ وقال: أيها الشياطين، أنتم تفسدون سيرة الإله. إن كان الإله “نتر” هو الشيطان فمن نحارب نحن؟ من هؤلاء المتربصون بنا خارج السور؟ من لا يعرف التاريخ لا يتكلم فيه. أيها الأقزام، الإله “نتر” إله ابن إله واليوم عيد جلوسه المبارك، فهيا طهروا لسانكم وقلوبكم وحيوا الإله بصوت عظيم. نهض الجند وضربت أقدامهم الأرض وارتفع صوت تحيتهم للإله “نتر”: هق يا مق، يعيش الإله “نتر” هق يا مق يعيش الإله “نتر”.
خرج الجند وبدأت جنود الطعام في تنظيف الأكشاك ورمي الفضلات في صناديق القمامة، رقص جسدي بعد إشارة من أُذُني. نهضتُ أجُرّ جسدي جرًّاً، حتى اقترب من أول صندوق كان عامراً ببقايا الجبن والبيض والباذنجان المطبوخ، إمتلأت معدتي فجرى الدم في عروقي، فحملت أقدامي جسدي الثقيل الدافئ بالطعام. أطلقت صفارة إخلاء أكشاك الطعام والتزام الجند بنوبات الحراسة فهرولتُ إلى الملجأ. لمحني أحد الجند الذي كان متأخراً خلف رفاقه، فأطلق صفارة الإنذار التي ملأ صداها العالم كله, فدبت أقدام الجند على الأرض تتنافس في الوصول إليّ. ارتفع صوت أقدام الجند حتى فقدت أذني صوت أنفاسي, ألقيتُ ما حملتُ من أكياس بقايا الطعام التي جمعتها بسرعة لرفاقي، فربما يخف الحمل عن جسدي فتقوى أقدامي على الإسراع أو تحدث المعجزة وأستطيع الهروب وأصل إلى باب الملجأ.
اخترق صمت الظلام صوت الجند وهم يتبادلون الإشارة الصوتية، وعلا صوت كلاب الحراسة. كانت كل المذقات والطرقات مغلقة بعربات الجند والأبواب الحديدية العملاقة، وغير مسموح بالتجول بعد الثامنة لغير الجند. امتلكني الخوف حتى صرتُ لا أشعر بقدمي، بل بجسدي كله، ولا شيء يعمل في جسدي غير ذلك العقل..
لا لا لا لا، بل تلك الذاكرة التي تتذكر حكايات حرس الملجأ عن تلك الكلاب التي لا ينجو منها أحد، ومن يقع فريسة بين أيديهم فهو غذاء لهم. لمحت عيناي ضوءاً ضعيفاً ينبعث من أحد البيوت القريبة من الأكشاك بخطوات. رفعت عيني أكثر، فقرأت لافتة صغيرة مكتوب عليها “ديوان القرابين”، فزحفت على الأرض حتى اقتربت من باب الديوان، لكن قبل أن أصل إلى الباب بخطوة إقترب مني الجند وكلابهم المفترسة.رفعت يدي ووضعتها على أذني حتى لا أسمع صوت الكلاب وهي تنهش في لحمي.
وقف الجند فوق رأسي وصاح أحدهم: إنه صيد سمين، اتركوه للكلاب، فهي لم تأكل منذ الظهيرة! ضحك الجند وارتفعت أصوات الكلاب, هبت الرياح وحملت رائحة عطرة ظننت أنها رائحة الموت، لكن كانت المفاجأة إنها لإمرأة أربعينية بيضاء كضوء الياسمين، أضاءت الظلام وأخرست الأفواه، حتى الكلاب التزمت الصمت وكأنها تعرفها جيدًا وتفهم لغتها. قالت المرأة بصوت قوي: اتركوه، إنه قربان الإله “نتر”، كيف تجرأون على الإقتراب من ديوان قرابين الإله؟ اذهبوا الآن وإلا جعلتكم غذاء لكلابكم! تراجع الجند وكلابهم للخلف فى رعب شديد وهم يرددون التحية للإله “نتر”: هق يا مق يعيش الإله “نتر”، هق يا مق يعيش الإله “نتر”. مدت المرأة الأربعينية ذراعيها وحملتني إلى الداخل وكأنني ثمرة سقطت من السلة.

Share on Facebook0Share on Google+1Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn0

تعليق واحد

  1. رواية جديدة اطلقها الكاتب المصري الكبير والروائي الفذ فرحات جنيدي شدتني تفاصيلها الرائعه اللتي تملؤها الغموض والرهبه رواية يعد تصنيفها ضرب من خيال حقا كم هو رائع هذا الكاتبالروائي الذي برع في شتى المناحي الادبيه …بالتوفيق والتقدم باذن الله ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *