جديد المراقب

أوصيكم بالتدبُّر

قَالَ الإمام الصادق عليه السلام: «إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله أَوْصِنِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: فَهَلْ أَنْتَ مُسْتَوْصٍ‏، إِنْ أَنَا أَوْصَيْتُكَ! ـ حَتَّى قَالَ لَهُ ذَلِكَ ثَلَاثاً ـ وَفِي كُلِّهَا يَقُولُ لَهُ الرَّجُلُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ الله. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: فَإِنِّي أُوصِيكَ، إِذَا أَنْتَ هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَهُ‏, فَإِنْ يَكُ رُشْداً فَامْضِهِ, وَإِنْ يَكُ غَيّاً فَانْتَهِ عَنْهُ». للوصيّة دورٌ مهمٌّ في ترتِيب أولويّاتِ الإنسان المؤمن، فهي تحدّد له الاتّجاه الّذي يجب عليه أن يَبقى متوجّهاً ناحيته، فلا يَغفل بطول الأمل، فينسى الآخرة، ولا يضيع باتّباع الهوى، فيضلّ عن الطريق.لأجل هذا كان طلب السائل الوصيّة من النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم, فقد عَرَفَ الطّريق الصّحيح الموصل لتحقيق الغاية الأصليّة لوجوده، ومن خلال الوصيّة سيصلُ إلى هدفه بشكل أسرع.فأجاب ذاك المؤمن بكلّ طمأنينة وشوق إلى ما يوصيه به النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، نعم يا رسول الله، عهدي لك أنّي موفٍ بوصيتك ليَ مهما صعُبت تلك الوصيّة..والتَّدْبِيرُ: «أَن يَتَدَبَّرَ الرجلُ أَمره ويُدَبِّرَه أَي ينظر في عواقبه…». والتدبر: النظر في دبر الأمور: أي عواقبها، وهو قريب من التفكر, إلَّا أن التفكّر تصرّف بالنظر في الدليل، والتدبّر تصرّف بالنظر في العواقب. وما هو موضع تأمّل وتفكّر، هو تأكيد الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم وتشديده على السائل بأنْ يؤدّي الوصيّة، وألّا يتخلّف عنها، فطلب منه الوفاء بالعهد والوعد على أن ينفّذ الوصيّة الّتي سيُوصِيهِ بها. بعد معرفة مضمون الوصيّة، يتّضح لنا سبب تأكيده صلوات الله عليه وعلى آله على أداء الوصيّة، حيث ركّز على مفهوم التدبّر، وكيف أنّ التّدبّر يُعدّ الميزان الدّقيق في نجاح أفعال الإنسان وأقواله. فالمتَدبِّر مُتَعقِّلٌ، والمتعقِّل صاحبُ عقل، والّذي يمتلك العقل لا يمكن أن يندمَ على فعل يقوم به، وعلى كلام يَنطق به, لأنَّ لسَانَ العاقلِ وراءَ قلبه، وقلبُ الأحمقِ وراءَ لسانه. بمعنى: أَنَّ العاقل يعلم الصّدق والكذب في الأقوال، والحقّ والباطل في الأفعال، ثمّ يتفكّر، ويَبني على تفكّره تحديدَ الصّدق من الكذب، والحقّ من الباطل، بينما الأحمقُ يتكلّم دون تفكّر وتدبُّر، فيفعلُ الباطل، ويقول الكذب دون أيّ رادعٍ أو مانعٍ.ليس للإنسان أن يستعجلَ، حتَّى يرى الطريق واضحاً أمامه, فإنّ الله تعالى قد وعده بأنِّي سأريك آياتي فلا تستعجل, لكيلا تضلّ الطريق، وتفشل فشلاً ذريعاً. نحن وإن خُلقنَا من عجلٍ، لكنَّ العجلَ أمرٌ خاضع للتدبُّر، ويأتَمِرُ بأمره إن استطعنا أنْ نسيطر عليه، فالله تعالى لم يحسُمِ الأمرَ, لذا جعل العجلة دائمةً فينَا, بدليل قوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُون﴾، وفَسَحَ المجال لعلاج هذه الخَصلة الرّديئة، فلو كانت العجلة خَصلة معجونةً في تركيبة الإنسان لمَا قال عزّ وجلّ: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾. كيف يطلب الله سبحانه منَّا ألَّا نستعجل ثمّ يقول لنا: أنتم في حالة عجلة ولا يمكن لكم أن تتحكّموا بهذه العجلة، أ ليس هذا من التغرير والتضييع للناس؟! ولا يصحّ أن يغرّر الحكيم بعباده فيوقعهم فريسة الاستعجال. التدبّر أمر لا بدّ منه، وإنْ كنّا مخلوقين من عجل، ولكن يبقى المجال مُشرعاً أمامَنا لكي نُحسن التصرُّف، ونُدرك الخيرَ من الشَّرِّ في أفَعالنا وأقوالِنا، فمثلاً أن لا نَتهوَّر في كلام يُنقل إلينا، فنحكم على الكلام بالصّحة أو الفساد دون تبيُّنٍ واستيضاحٍ، ومعرفةٍ لحقائقِ الأمورِ. والتدبّر هو التَّفكر والتأمل الدَّقيق بما نقوم به، وما نتفوَّه بهِ من كلام قد يؤدِّي بنَا وبغيرنا إلَى الدَرَكِ الأسفلِ، والخُسران المبين بسبب قلّة التدبّر والتّأمل. يمكن القول إنَّ زينة الحياة الدّنيا هي المال، وهو المسعى الدؤوب الَّذِي يفني الإنسان عمره لأجله، وهو أهمّ أسباب التفرقة بين الأرحام، فتراهم يتقاتلون ويتنافرون لأجله وبسببه.فأراد أمير المؤمنين عليه السلام أنْ يبيّن لنا أَنَّ المال الحقيقي عند أهل البصائر التعقّل والتدبّر, لأنّ المال الظاهري الَّذِي يسعى الناس لجمعه، ويتكالبون على كنزه، سرعان ما نفارقه إنْ لم يكن بالخسارة في هذه الدُّنيا، فلا أقلّ بالموت.أما المال المعنوي أي العقل فهو أعود بالنفع على صاحبه باعتبار أنّ به غنى النفس وهو رأس مالها الَّذي به يكتسب الأرباح الباقية والكمالات المعنوية. السّلامة كامِنة ومختبئة في التثبّت، فعندما يتروّى الإنسان في العمل الّذي يُريد أن يؤدّيه يحصل على السّلامة، والنّجاح في عمله، وإنْ دوامَ الإنسانُ على التدبّر والتّثبت أصبحَ لديه ملَكةً يستطيع من خلالها أن يَدخل أيّ مُعتركٍ شَاء، وبدخوله يكون قاطعاً بالفوز والنّصر, لأنّه طبَّق القواعد الّتي أَرْسَى أساساتها الدين وشريعة سيّد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.وهنا نَخْلُص إلى خُطوات التدبّر، وكيف يمكن أن نَعمل على طبق التّدبر:
الخُطوة الأولى: التدبّر والتعقّل فيما يرتبط بالهدف.
الخُطوة الثّانية: التدبّر والتعقل فيما يرتبط بالخطّة اّلتي توصلنا إلى الهدف.
الخطوة الثالثة: تدبّر النّتائج الّتي ستحصل، ومقارنتها مع الهدف والرؤية التي كانت قبل العمل, كي يُؤسَّس عليها الاستمرارُ، وعدمه.
الخُطوة الرابعة: تدبّر وتعقل الكلام الّذي نُريد أن نقوله، ومدى فائدتِه الآنيّة والمستقبليّة.
الخُطوة الخامسة: تدبّر وتعقّل أهميّة قِلّة الكلام وكثرتها.
الخُطوة السّادسة: تدبّر وتعقل تأثير الكلام إيجاباً وسلباً في النّفس البشريّة.
فلا نَستعجل الوصول إلَى الأهداف قبل أوانِها، ونُبحر جَميعاً في سَفينة النّجاة, سفينة التدبّر والعقل والتّفكر، ونُعْرِضُ عن تلك القوارب الصّغيرة الّتي قد تعفَّنت بِمخالفتِهَا للمفاهيم الّتي أوصَى بها الرّسول الخَاتم وآل بيته الكِرام صلى الله عليه وآله وسلم.لذا تعالوا جميعاً، لنطبِّق وصايا الّنبيّ الخاتم وآله الأطهار عليهم السلام، ونتدبّر في شؤونِنَا الخاصّة والعامّة، فنُخْفِض نِسبة الفَشل إلى أدناها، ونرفع نسبة النّجاح إلى أعْلَى مستوياتها, لأنّهم لا يَنطقون عَن الهوى، بل يستفيدون مِمّا أوحاه الله تبارك وتعالى إِلَى نبيّه.

Share on Facebook0Share on Google+0Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn0

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*